الوحدة.. شعور في غاية القسوة..
أنك وحدك..
لا تجد من تبوح له بسرك..
لا تجد من يشاركك دمعتك..
لا تجد من يقتسم معك ابتسامتك.
لا تجد من يربط على كتفك فيواسيك..
لا تجد من يمشي خطاك فيؤنسك..
شعور حكاه القرآن:
قال الله تعالى: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:40]
وهنا مواساة من نوع خاص لمواجهة هذا الشعور بالوحدة وما قد تجلبه من حزن، يقول ابن القيم في طريق الهجرتين:
فلا حُزنَ مع الله، وأنَّ مَن كان اللهُ معه، فما له وللحُزنِ؟ وإنَّما الحُزنُ كلُّ الحُزنِ لِمَن فاته اللهُ، فمن حصَلَ اللهُ له، فعلى أيِّ شَيءٍ يَحزَنُ؟ ومن فاته اللهُ فبأيِّ شَيءٍ يَفرَحُ.
ولعل السؤال:
هل في زمن التواصل الاجتماعي وحدة؟
وهل في زمن العالم الرقمي وحدة؟
وهل في زحمة الحياة المعاصرة وصخبها وحدة؟
فنقول:
إن كل ذلك وأكثر لا ينافي الشعور بالوحدة، فقد يلتف حولك كثير من الناس..ولكن لا أحد منهم يلتفت لمشاعرك!
وقد لا تجد برهة من الزمن تخلو فيها بنفسك من كثرة الاجتماعات والاتصالات.. ولكن لا أحد من هؤلاء يتصل بك روحيًا!
الوحدة ليس خيارًا:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) [رواه الترمذي وصححه الألباني(2507)]
قال الصنعاني في سبل السلام: فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحسن معاملتهم، فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
أيما أفضل العزلة أم الخلطة؟
فأجاب في الفتاوى: المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى، فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان، فهي منهي عنها.
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين:
العزلة خير إذا كان في الخلطة شر، أما إذا لم يكن في الخلطة شر؛ فالاختلاط بالناس أفضل.
ماذا لو كانت الوحدة اضطرارًا؟
عليك أن تلجأ أولًا إلى الله تعالى فهو كافيك
قال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) [الزمر:36]
قال السعدي في تفسيره:
أي: من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه،...، فإن اللّه تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء.
ثانيًا: أن تتوجه بالدعاء إلى الله تعالى
كحال زكريا عليه السلام حين قال (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) [الأنبياء:89]
قال ابن كثير في تفسيره:
لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله، والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردًا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه على ما قام به؛ فدعا ربه سبحانه وتعالى.
ثالثًا: الإكثار من ذكر الله تعالى
يقولُ اللَّهُ تَعالَى في الحديث القدسي:
(أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) [رواه البخاري (7405) ومسلم (2675)]
وفي هذا الحَديثِ القُدسيِّ يَروي النَّبيُّ ﷺ عن رَبِّه سُبحانَه وَتَعالَى أنَّه يَقولُ (وأنا مَعَه إذا ذَكَرَني)، أي: إن ذَكرَني العَبدُ بالتَّسبيحِ والتَّهليلِ أو غيرِها في نَفْسِه، مُنفَرِدًا عن النَّاسِ، ذَكَرْتُه في نَفْسي، (وإنْ ذَكَرَني في مَلَأٍ)، في جَماعةٍ من النَّاسِ، ذَكَرْتُه في مَلَأٍ خَيرٍ مِنهُم، وهُم المَلَأُ الأعلى.
رابعًا: حسن التوكل على الله
قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]
قال البقاعي في نظم الدرر:
أي: ومَن يَعتَمِدْ على اللهِ وَحْدَه، ويُفَوِّضْ جميعَ أمرِه إليه في طَلَبِ الخَيرِ أو دَفعِ الشَّرِّ؛ فاللهُ كافِيه ما أهَمَّه مِن أمرِ دِينِه ودُنياه وآخِرتِه.
خامسًا: البحث عن الجليس الصالح
قال النبي ﷺ: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ [يعطيك] وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) [رواه البخاري (5534) ، ومسلم (2628) ]
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم:
فيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.
وختامًا،
فإن الوحدة وإن كانت شعورًا قاسيًا يعتصر القلب، إلا أنها ليست نهاية المطاف، ولا قدَرًا محتومًا دون مخرج. وإن كان لا بد من لحظات وحدة نمر بها اضطرارًا، فلتكن جسورًا نُقيمها بيننا وبين خالقنا، نصل بها أرواحنا إليه، ونبني بها رجاءً لا يخيب، ويقينًا لا ينكسر.
دعنا نتناقش ونستفيد:
هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي خففت شعور الوحدة أم زادته؟ ولماذا؟









