«وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ» .. صوتٌ أسمع أرجاءَ الأرض!🤲

«وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ» .. صوتٌ أسمع أرجاءَ الأرض!🤲
2025/05/26

يقول اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ﴾ [الحج ٢٧]

الخطاب في الآية لنبي الله إبراهيم عليه السلام؛ أي: نادِ في الناس بالحج، داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه؛ فإنك إذا دعوتهم، أتوْك حُجاجًا وعُمّارًا.

وذكر المفسِّرون أن إبراهيمَ عليه السلام لَمَّا أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُبَلِّغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لَا يُنْفِذُهُمْ؟!

فَقَالَ: نَادِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ!

فَقَامَ عَلَى مَقَامِهِ. وَقِيلَ: عَلَى الْحَجَرِ. وَقِيلَ: عَلَى الصَّفَا. وَقِيلَ: عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ.

فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِبَالَ تَوَاضَعَتْ، حَتَّى بَلَغَ الصَّوْتُ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ وَأَسْمَعَ مَنْ فِي الْأَرْحَامِ وَالْأَصْلَابِ، وَأَجَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَجَرٍ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". [تفسير ابن كثير].

وقوله: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} جمع "راجِل" أي: مشاةً على أرجلهم. وهذه الكلمة مما قد يُفهم خطأ، ويظنها بعضُ الناس بمعنى: "الذكور"، وليست كذلك.

(يَأْتُوكَ).. لماذا؟!

ولكن لماذا عبر بـ(يَأْتُوكَ) وإن كانوا يأتونَ الكَعبةَ على الحقيقة؟!، والجواب من وجهين: 

الأول: لأنَّ المناديَ إبراهيمُ عليه السلام، فمَن أتَى الكَعبةَ حاجًّا، فكأنَّما أتى إبراهيمَ؛ لأنَّه أجاب نِداءَه، وفيه تَشريفُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ. [تفسير القرطبي].

والآخر: لأنَّ فيه دلالةً على أنَّ إبراهيم عليه السلام كان -في حياتِه- يحضرُ موسمَ الحجِّ كلَّ عامٍ، يبلِّغ للناسِ التوحيدَ، وقواعدَ الحنيفيةِ. [ابن عاشور].

وقوله: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ … } أيْ: رُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ [خَفِيفِ اللَّحْمِ مِن طُولِ السَّفَرِ ومَشقَّتِه].

ولم يعبر بلفظ "رُكْبانًا" وإن كان هو الأخْصَرِ؛ وذلك "لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآتِينَ مِنَ الأماكِنِ البَعِيدَةِ". [محاسن التأويل].

سر تقديم الرجال على الركبان!

وقد وقف ابنُ القيم -رحمةُ الله عليه- على فائدتيْنِ جليلتيْنِ لتقديمِ "الرِّجال" على "الرُّكبانِ" في الآية:

أولاهما: أنَّ اللهَ تعالى شَرَط في الحجِّ الاستطاعةَ -ولا بُدَّ مِن السَّفَرِ إليه لغالِبِ النَّاسِ- فذَكَر نوعَيِ الحُجَّاجِ؛ لِقَطْعِ تَوَهُّمِ مَن يظنُّ أنَّه لا يجِبُ إلَّا على راكِبٍ، وقَدَّمَ الرِّجالَ؛ اهتِمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا. 

والأخرى: أن الله تعالى قدَّم "الرِّجال" جَبْرًا لهم؛ لأنَّ نفوسَ الرُّكْبانِ تَزدَريهم وتوَبِّخُهم، وتقولُ: «إنَّ اللهَ تعالى لم يكتُبْه عليكم، ولم يُرِدْه منكم!»، وربَّما توَهَّموا أنَّه غيرُ نافعٍ لهم، فبدأ به؛ جَبْرًا لهم ورحمةً. [بدائع الفوائد(1/ 69)].

واستدل بعضُ العلماء بتقديم "الرِّجال" على "الرُّكبانِ" في الآية عَلَى أَنَّ حَجَّ الرَّاجِلِ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الرَّاكِبِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهَا لَحَوْجَاءُ فِي نَفْسِي أَنْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا، لِأَنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: {يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج: 27] فَبَدَأَ بِأَهْلِ الرِّجْلَةِ.

وأجابوا عن حَجِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَاكِبًا لا مَاشِيًا؛ بأَنَّهُ "إنْ اقْتَدَى بِهِ أَهْلُ مِلَّتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا، وَإِنْ قَصَّرُوا عَنْهُ تَحَسَّرُوا، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا. وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ طَافَ رَاكِبًا لِيَرَى النَّاسُ هَيْئَةَ الطَّوَافِ". [أحكام القرآن (3/ 281)].

وقوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَعِيدٍ.

إعجاز قرآني:

وفي الآية وجهانِ من وجوه إعجاز القرآن المتعلقة بالإخبار بالمغيبات:

أولهما: أنه "قد حصل ما وعد الله به؛ أتاه الناس رجالاً وركباناً من مشارق الأرض ومغاربها". [تفسير السعدي].

والآخر: في قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ إشارةٌ لطيفة إلى ما وقع لاحقًا مِن فتوحات شاملة لمناطق شاسة انتشر فيها الإسلام؛ وذلك "لأَنَّ الْإِتْيَانَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَدُلُّ عَلَى الْإِتْيَانِ إِلَى الْحَجِّ مِنْ بَعِيدٍ، وَالْإِتْيَانَ إِلَى الْحَجِّ يَدُلُّ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَبِالتَّالِي يَدُلُّ عَلَى مَجِيءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعِيدٍ".[أضواء البيان (9/ 140)].

فما أروع أن يستشعر كلُّ مَن رُزق الحجَّ هذا العام، وهو يلبي نداء الحج، أنه يجيب نداءً ربانيًا وأنه إنما يفعَلُ ذلك تلبيةً لدُعاءِ الله لأن "الأذانُ بأمْرِ الله يُعتبرُ أذانًا مِن اللهِ، فإذا كان اللهُ هو الذي أذَّنَ، فأنا أجيبُه وأقولُ: «لَبَّيك اللهُمَّ لَبَّيك»". [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (24 /512)].

📣 هل تعلمت شيئًا جديدًا من تفسير هذه الآية؟ .. ننتظر تعليقك 👇
✨ إذا لامست هذه المعاني قلبك، لا تبخل بمشاركة المقال مع من تحب!💭

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة