أصحاب الأخدود💪.. قصة الإيمان الذي تحدّى النيران!🔥

أصحاب الأخدود💪.. قصة الإيمان الذي تحدّى النيران!🔥
2025/02/25

خصّ اللهُ جلَّ ثناؤه سورةً من سور كتابه العزيز (سورة البروج) لسرد قصة أصحاب الأخدود وتذكير عباده المؤمنين بها، رغم أنها وقعت قبل الإسلام، وقد مضى عليها زمنٌ؛ وما ذلك إلا ليُعلم المؤمنين من هذه الأمة "ما كان يلقاه مَن وحّد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم بذلك. وذكر لهم النبي ﷺ قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها ليتأسَّوْا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظيم صبره". [القرطبي:٢٢/١٩٢-١٩٢].

وملخص القصة كما رواها الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب -رضي الله عنه-: أنه كان هناك ملك ظالم له ساحر، وعندما كبر الساحر طلَب مِن الملك أن يرسل له غلامًا ليعلّمه السحر. لكن الغلام التقى في طريقه براهبٍ صالح وتأثر بتعاليمه، حتى صار مؤمنًا بالله وأجرى اللهُ المعجزاتِ على يديه؛ كإبراء المرضى.

ووصلت أخبارُ الغلام إلى الملك، فحاول قتله لكنه فشل، حيث نجا من محاولات إلقائه من الجبل وإغراقه في البحر بعد أن دعا الله: "اللهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ".

أخبر الغلامُ الملكَ أنه لن يستطيع قتله إلا بطريقة واحدة: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فعل الملك ذلك، ومات الغلام، لكن الناس جميعًا أعلنوها: "آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ"، فانتشر الإيمان.

غضِب الملكُ وأمر بحفر أخاديد وأضرم فيها النيران، وألقى فيها كلَّ مَن رفض العودة عن دينه، حتى جاءت امرأة تحمل طفلها، فتردَّدت، فنطق طفلها قائلاً: "يَا أُمَّهْ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ".

وبعد الوقوف على قصة أصحاب الأخدود موجزةً، نعود إلى سورة البروج لنتدبر آياتها في ضوء ما وقفنا عليه؛ فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَٱلسَّمَاۤءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ۝١ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ۝٢ وَشَاهِدࣲ وَمَشۡهُودࣲ﴾ فأقسم الله تبارك وتعالى في مفتتح السورة أربع مرات ثم قال ﴿قُتِلَ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ﴾ أَيْ: لُعِنُ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ. وَهَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ في قول بعض المفسرين، لكن ابن القيم رحمه الله استبعد أن يكون الجواب {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود، وقال إن "الأحسن أن يكون هذا القسم مستغنياً عن الجواب؛ لأن القصد التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة". [التبيان في أقسام القرآن (ص: 91)].

ثم ذكر الله سبحانه مشاهد الواقعة المؤلمة فقال: ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ۝٥ إِذۡ هُمۡ عَلَیۡهَا قُعُودࣱ ۝٦ وَهُمۡ عَلَىٰ مَا یَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ شُهُودࣱ ۝٧﴾ حيث "وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود، شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عياناً ولا تأخذهم بهم رأفةٌ ولا رحمةٌ ولا يعيبون عليهم دِيناً سوى إيمانهم ﴿بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ ۝٨ ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم؛ فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به". [التبيان في أقسام القرآن (ص: 91)].

ومَن كانت هذه صفاته فلن يدع الظالم بلا عذاب، ولن يضيع حقَّ المؤمنين، ولكنه قدّر المقادير لحكمة محمودة العواقب. قال الرازي: "واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أشارَ بِقَوْلِهِ: (العَزِيزِ) إلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَ أُولَئِكَ الجَبابِرَةَ مِن تَعْذِيبِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ، ولَأطْفَأ نِيرانَهم ولَأماتَهم. وأشارَ بِقَوْلِهِ: (الحَمِيدِ) إلى أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الأفْعالِ عَواقِبُها فَهو وإنْ كانَ قَدْ أمْهَلَ لَكِنَّهُ ما أهْمَلَ، فَإنَّهُ تَعالى يُوصِلُ ثَوابَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ، وعِقابَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُعاجِلْهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ إلّا عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ أوِ المَصْلَحَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَهو وعْدٌ عَظِيمٌ لِلْمُطِيعِينَ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ". [تفسير الرازي (31/ 112)].

ثم توعّد أصحاب هذا الفعل القبيح، وعرَض عليهم التوبة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي: العذاب الشديد المحرق.

قال الحسن البصري: "انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءَه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة". [ابن كثير:٤ /٤٩٧]

ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، تسليةً لهم في مصابهم؛ فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِیرُ﴾.

ثم ذكر سبحانه "شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء فإنه هو المبدىء المعيد ومن كان كذلك فلا أشد مِن بطشه وهو مع ذلك "ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ" يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه؛ فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودِّد إلى عباده بنعمه الذي يود مَن تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضاً أي المحبوب". [التبيان في أقسام القرآن (ص: 93)].

وأخبر سبحانه عما حل بثمود وقوم فرعون، "تسلية له ﷺ بالإشعار بأنه سيصيب كفرة قومه ما أصاب الجنود ... والمعنى: قد أتاك حديثهم وعرفت ما فَعَلُوا وما فُعِل بهم فذكِّر قومك بأيام اللّه تعالى وشؤونه سبحانه،وأنذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم. [الألوسي:٣٠/٣٩].

إن قصة أصحاب الأخدود وما نالهم من البلاء تعطينا درسًا عظيما في صبر المؤمنين، وحكمة الله في الابتلاء، وعاقبة الظالمين، كما تذكرنا بأن أهل الإيمان قد يواجهون المحن والابتلاءات في الدنيا، لكنَّ النصر في النهاية لأهل الحق، وأنه لابد من أن تكون هذه عقيدةً راسخةً في قلوب المؤمنين.

وننصحُ في الأخير بقراءة موسّعة في تفسير سورة البروج والدروس والعبر والتوجيهات التي ترشد إليها؛ فهي جديرةٌ بهذا الاهتمام حيث يقول ابنُ القيم عنها: "فهذه السورةُ كتابٌ مستقلٌ في أصول الدين تكفي مَن فهمها".[التبيان في أقسام القرآن (ص: 98)].

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة