من رحمة الله بنا أن هيّأ لنا مواسم الخير، ومن أعظمها شهر شعبان. وما أدراك ما شعبان؟! إنه شهر جليل القدر عند الله، ومع ذلك يغفل عنه كثير من الناس!
روى الإمام النسائي في سننه عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم" [صححه الألباني في صحيح النسائي: 2357].
يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: "اعلم أن الأوقات التي يغفل الناس عنها عظيمة القدر عند الله؛ لانشغالهم بالعادات والشهوات، فإذا واظب عليها طالب الفضل، دلّ ذلك على حرصه على الخير".
وجاء في لطائف المعارف لابن رجب: "ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلكوا".
ومما ورد في فضل العبادة حين يغفل الناس، ما رواه ابن المبارك في الزهد، وأبو نعيم في الحلية عن عون بن عبد الله، قال: "إن الله تعالى ليدخل الجنة قومًا فيعطيهم حتى يملّوا، وفوقهم قوم في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: يا ربنا، إخواننا كنا معهم، فبمَ فضّلتهم علينا؟! فيقول: هيهات هيهات، كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويجتهدون حين تكسلون".
وقد كان سلف الأمة -رضي الله عنهم- يستعدون لشعبان كما يستعدون لرمضان، فعن لؤلؤة مولاة عمار، قالت: "كان عمار -رضي الله عنه- يتهيأ لصيام شعبان كما يتهيأ لصيام رمضان".
وقال أبو بكر البلخي: "رجب شهر الزرع، وشعبان شهر سقي الزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع".
وقيل: رجب كالريح، وشعبان كالسحاب، ورمضان كالمطر. فمن لم يزرع في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف له أن يحصد في رمضان؟!
فيا أخي الحبيب، أدرك زرعك في شعبان، واسقه برعاية الإيمان، وتعهده حتى لا ييبس ويضيع منك الحصاد!
مضى رجــبٌ وما أحسنتَ فيهِ***وهـذا شهرُ شعبـانَ المُبارك
فيا مَنْ ضيّع الأوقاتَ جهلًا***بحُرمتِها أفِق واحذر بوارَك
فسوفَ تُفارقُ اللذّاتِ كُرهًا***ويُخلي الموتُ كَرهًا منك دارَك
فتُبْ ممّا جنيتَ بصدقِ عزمٍ***فخيرُ ذوي الجرائمِ مَنْ تدارَك
اللهم بارك لنا في شعبان، وبلّغنا رمضان، واجعلنا فيه من الصائمين القائمين.









