العدالة في لحظات الرحيل

العدالة في لحظات الرحيل
2025/07/29

العدالة في لحظات الرحيل

من دلائل رحمة الإسلام وكمال تشريعاته، أنه لم يترك موقفًا من مواقف الحياة إلا وأقام فيه ميزانًا للحق والعدل.
حتى في لحظات الموت، حيث يختلط الحزن بالارتباك، جاء التشريع ليحفظ الحقوق ويضمن الأمانات.
ومن أعظم هذه المواقف: لحظة الوصية، التي تُحدد بها مصائر أفراد وأسر، وتُحفظ بها حقوق الورثة والدائنين.
إن الوصية ليست مجرد وثيقة، بل هي أمانة شرعية تُجسد العدل وتحمي الأجيال.
وهنا نزلت الآية الكريمة من سورة المائدة لتؤكد أهمية الشهادة العادلة، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ...﴾ [المائدة: 106].

سبب النزول: واقعة حقيقية أوضحت التشريع

روى البخاري (2780) ومسلم (1719) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بداء، وكانا نصرانيين، إلى الشام في رحلة تجارية.
فلما حضره الموت، أوصى إليهما بتركته، لكنهما غيّرا فيها عند عودتهما، فلاحظ أهله نقصًا في الميراث، فشكوا إلى النبي ﷺ، فنزلت الآية لتنظم هذا الموقف.


توجيه قرآني عظيم: الشهادة يجب أن تكون واضحة وعادلة، حتى في السفر، وحتى لو اضطر المسلم إلى الاستعانة بغير المسلمين في حالات الضرورة، مما يبرز مرونة الشريعة في حفظ الحقوق.

معاني الآية وتفسير العلماء

جاء في تفسير الطبري أن الآية تنظم شهادة الوصية عند اقتراب الموت، فتُقبل شهادة اثنين من أهل العدل المعروفين بالأمانة والصدق. وفي السفر، إذا لم يتوفر مسلمون، تُقبل شهادة غير المسلمين عند الضرورة، وهو دليل على شمولية الإسلام.
أما القرطبي فقال: "الآية أصل في جواز شهادة أهل الكتاب في الوصية إذا لم يوجد غيرهم، لكن هذا الحكم نُسخ لاحقًا عند جمهور العلماء بعد أن قوي الإسلام وتوفر المسلمون العدول".
ومع ذلك، تبقى العبرة في أهمية توثيق الوصايا، سواء بالكتابة أو الشهادة، لضمان عدم ضياع الحقوق.

السنة النبوية تؤكد المعنى

قال النبي ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" [البخاري (2738)، مسلم (1627)].
هذا الحديث يحث كل مسلم على المسارعة إلى توثيق وصيته، أي عدم تأخيرها أكثر من ليلتين متتاليتين.
ففي زمن السفر أو المرض، لا أحد يضمن عمره، والوصية تُجنب الأهل الحيرة والنزاعات.
ويُظهر الحديث حرص الشريعة على التنظيم المسبق للحقوق، مما يعكس حكمة النبي ﷺ في توجيه الأمة نحو العدل والمسؤولية.

رسالة معاصرة: هل أوصيت بحق؟

في عصرنا، تتعدد التعاملات المالية وتتراكم الحقوق، وتكثر الحوادث والموت المفاجئ، لكن الكثيرين يستهينون بكتابة وصيتهم أو توثيق ديونهم. تأمل في هذه الأسئلة:

  • كم من ميراث ضاع بسبب إهمال التوثيق؟

  • كم من أبناء تُركوا في حيرة بلا وصية واضحة؟

  • كم من نزاع وصل إلى المحاكم لعدم وجود شهود عدول؟
    إن رسالة الآية حيّة، تدعونا إلى العدل والوضوح والتوثيق. كم من أسر تفككت بسبب نزاع على الميراث؟ كم من دين ضاع لأن صاحبه لم يوثقه؟ الوصية ليست رفاهية، بل مسؤولية دينية واجتماعية تحفظ حقوق الأحياء والأموات.

في رحاب الشعر نداء للصدق والعدل

إذا ما دُعيتَ إلى شهادةِ حقٍّ
فكن للحقّ أولَ من يُجيبُ
ولا تَخْشَ الرجالَ إذا شهدتَ
فربُّ الناسِ بالحَقِّ رقيبُ

هذا البيت مستلهم من الآية، يحث على الصدق في الشهادة وتحمل الأمانة، فالعدل في الشهادة عبادة تقرب العبد إلى ربه.

خاتمة: هل تركتَ من بعدك حقًا محفوظًا؟

الآية الكريمة ليست تشريعًا عابرًا، بل وصية ربانية خالدة، تنادي في كل زمان ومكان أن نكون أوفياء للحق، حريصين على العدل، مُبادرين بوصية مكتوبة وشهادة موثوقة. 


في عالمنا اليوم، حيث تتسارع وتيرة الحياة، قد ينسى الإنسان توثيق حقوقه، فيترك خلفه نزاعات وخسائر. ابدأ اليوم بكتابة وصية بسيطة تحفظ حقوق أحبائك، أو استشر مختصًا لتوثيقها رسميًا
 

وأخيرا: هل واجهت نزاعًا بسبب الوصية أو الإرث؟ احكي لنا تجربتك وأخبرنا بنصيحتك في التعليقات 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة