في ذلك اليوم العظيم، تُعرض الأرواح والأجساد بلا حجاب ولا ستار.. يومٌ تُكشف فيه الأسرار، ويُسأل العبد عن كل صغيرة وكبيرة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:18].
يقول تعالى ذكره: (یَوۡمَىِٕذࣲ تُعۡرَضُونَ) أي: يوم القيامة تعرضون -أيها الناس- على الله تعالى؛ لمحاسبتكم، كما قال تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا*وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الكهف: 47، 48].
وليس ذلك عرضًا يعلم به ما لم يكن عالمًا به، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة، وقد عبر عن الحساب بالعرض الذي هو جزؤه، فالمحسن لا يكون له غير ذلك، والمسيء يناقش.
من نوقش الحساب يهلك:
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ".
فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8].
فقال ﷺ: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب".[أخرجه البخاري (6536)، ومسلم (2876)]
فجواب النبي ﷺ فيه بيان أن الحساب اليسير شيء آخر، وهو العرض، وهو إبراز الأعمال وإظهارها، فيُعرّف الله صاحبها بذنوبه، ثم يتجاوز عنه؛ حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، وأن من نوقش الحساب يهلك.
والمعنى: أن التقصير غالب على العباد، فمن استقصى عليه ولم يسامح؛ هلك وأدخل النار.
فالحساب يوم القيامة نوعان:
حساب عرض ومعاتبة، وهو حساب يسير لا عذاب فيه،
وحساب مناقشة، وهو حساب عسير وشديد، ولا يخلو من العذاب؛ لأنه مناقشة للعبد على أخطائه، وتوقيفه على جميع ذنوبه، واستقصاء لكل سيئاته.
أعد لكل سؤال جوابًا:
وهذا الذي ينبغي أن يعمل الإنسان ويستعد لمثله، وأن يجتهد في قطع هذه الأنفاس والاشتغال بما يقربه وينفعه عند العرض، ويُعد لكل حركة من حركاته أو سكناته يُعد لذلك جوابًا بين يدي الله -تبارك وتعالى.
فإذا أراد أن يتكلم بكلام أو يتصرف بلون من التصرفات فينبغي عليه أن يكون قد هيّأ الجواب حينما يسأله ربه -تبارك وتعالى- عن هذا، سواء كان ذلك في مزاولته وأعماله في الطاعات والعبادات، أو كان ذلك في أموره الدنيوية مما يتصل بالمعاش، أو كان ذلك ما يتعلق بشهواته وذنوبه ومعاصيه، أو كان ذلك فيما يقوله عن ربه -تبارك وتعالى- من الفتيا والعلم والكلام بمعاني القرآن وما أشبه ذلك.
جاء في محاسبة النفس لابن أبي الدنيا:
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شئ:
﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا يخفى المؤمن من الكافر، ولا البر من الفاجر.
الثاني: لا تستتر منكم عورة، كما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي ﷺ:(يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ ﷺ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ) [أخرجه البخاري (6527)، ومسلم (2859)]
الثالث: أن خافية بمعنى خفية كانوا يخفونها من أعمالهم. أي تعرضون حال كونكم لا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم وسرائركم التي كنتم تخفونها في الدنيا خافية كائنة ما كانت.
ولا تعارض، فيكون المعنى يومئذ تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، لا من أجسامكم وأجسادكم، ولا من أعمالكم وصفاتكم؛ فإن الله تعالى عالم الغيب والشهادة، ويحشر العباد حفاةً عراةً غرلًا، في أرض مستوية، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فحينئذ يجازيهم بما عملوا.
لحظة سقوط الأستار التي كانت تحجب الأسرار:
فهي حقًا لحظة لها مهابة وجلال، فالكل مكشوف..مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل، مكشوف المصير.
وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرى النفوس والأجساد، وتبرز الغيوب بروز الشهود، ويتجرد الإنسان من حيطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح منه ما كان حريصًا على أن يستره حتى عن نفسه!
وما أقسى الفضيحة على الملأ!
وما أخزاها على عيون الجموع!
أما عين الله فكل خافية مكشوفة لها في كل آن.
ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حق الشعور، وهو مخدوع بستور الأرض. فها هو ذا يشعر به كاملاً وهو مجرد في يوم القيامة. وكل شيء بارز في الكون كله.
الأرض مدكوكة مسواة لا تحجب شيئًا وراء نتوء ولا بروز.
والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئًا، والأجسام معراة لا يسترها شيء، والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر وليس فيها سر!
إنها لحظة عظيمة حقًا، ذلك العرض أمام رب العالمين.. فهلّا استعددنا؟
كيف تستعد للعرض الأعظم؟ نصائح عملية:
1-اجعل لنفسك وقتًا يوميًا للمحاسبة.
2-قبل أن تنام، راجع يومك وكأنك تعرض على الله.
3-استحضر العرض أمام الله قبل كل قرار.
4-استر نفسك بالتوبة قبل أن تُكشف على رؤوس الأشهاد.
5- احذر ذنوب الخلوات، فإنها مفضوحة يوم تبلى السرائر.
6- تذكر نعمة الحساب اليسير، واسأل الله في كل دعاء "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا"
اللهم اجعل عرضنا عليك عرض كرامة لا عرض فضيحة، وارزقنا الحساب اليسير.
.....................................
المراجع:
جامع البيان للطبري
فتح البيان للقنوجي
نظم الدرر للبقاعي
تفسير السعدي
تفسير القرطبي
تفسير الماوردي
محاسبة النفس لابن أبي الدنيا
موقع فضيلة الشيخ خالد السبت









