أقْسَمَ الله سبحانه في صدر سورة القيامة بالنفس اللوامة: ﴿لَاۤ أُقۡسِمُ بِیَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ ١ وَلَاۤ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢ ﴾ [القيامة ١-٢ ]، وهي الَّتِي تَلُومُ صَاحِبَهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ.
قال الحَسَنُ البَصْرِيُّ في تفسيرِ الآية: "إنَّ المُؤمِنَ لا تراه إلَّا يلومُ نفسَه، يقولُ: ما أردتُ بكَلِمتي؟ يقولُ: ما أردتُ بأكلتي؟ ما أردتُ بحديثِ نفسي؟ فلا تراه إلَّا يعاتِبُها، وإنَّ الفاجِرَ يَمضي قُدُمًا فلا يعاتبُ نَفْسَه".
فالمؤمن لا يعيش حالة الغفلة الكاملة، بل يقف دائما مع نفسه وقفة صدق، يسألها عن نياتها وأعمالها، ويحاسبها على تقصيرها. ولذلك قال الحسن أيضًا: "إنَّ العبدَ لا يزالُ بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نَفْسِه، وكانت المُحَاسَبَةُ من هِمَّته".
فالنفس اللوامة المحمودة تفعل فِعلها الإيجابي في الإنسان ليجتهد في استدراك ما فاته، والإصلاح، والتغيير، والعمل الصالح. وهذا يختلف تمام الاختلاف عن اللوم المذموم الذي يهدم ولا يبني، ويعدّ مدخلاً خبيثاً من مداخل الشيطان؛ إذ يؤدي بصاحبه إلى الحزن الدائم، وتثبيط العزيمة، وترك العمل بالكلية. وقد نُهينا في الشريعة عن الحزن الذي يضعف حركة النفس ويقيد همتها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وإلى مثل هذا اللوم المحمود البنّاء، أشار مالك بن دينار بقوله: "رحِم اللهُ عبدًا قال لنفسه: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ ثم ذَمَّهَا ثم خَطَمَهَا [كبحها] ثم ألزمها كتابَ الله تعالى؛ فكان له قائدًا".
ولكي يكون لوم النفس بنَّاءً لا هدَّامًا، ينبغي على الإنسان "أن يحاسب نفسَه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادتْ بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجهٍ فعلته؟".
فما أجمل ونحن في بداية عام هجري جديد أن نوقظ النفس اللوامة فينا، ونعمل على تقويتها لتكون عونًا على الإصلاح، ودرء النفس الأمَّارة بالسوء ومغالبتها، ومن ثَمَّ الارتقاء إلى مرتبة النفس المطمئنة التي تحب الخير وتفعله، وتبغض الشر وتتجنبه.
✍️ ما أكثر فكرة لامست قلبك في هذا الفائدة وتنوي مشاركتها مع أحبائك؟









