من أدآب قراءة القرآن تحسين الصوت وتزيينه، فقد رغب في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به)[رواه البخاري: 7544، ومسلم: 1883]. فالتغني بالقرآن من آداب التلاوة ومستحباتها. ومعنى: التغني، تحسين الصوت.
وفي هذا الحَديثِ دَعوةٌ إلى تَحسينِ الصَّوتِ بقِراءةِ القرآنِ الكريمِ قَدْرَ الوُسْعِ والطَّاقةِ، فيُخبِرُ رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- لَم يَستَمِعْ لشَيءٍ كاستِماعِه لِلنَّبِيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وهو يَتَغَنَّى بِالقُرآنِ؛ فالفِعلُ (أَذِنَ) هنا بمعنَى: استمَعَ؛ واللهُ -سُبحانَه وتعالَى- يَسمَعُ أصواتَ العِبادِ كلِّهم؛ بَرِّهم وفاجِرِهم، ولكنَّ استِماعَه لقِراءةِ النَّبيِّ استِماعٌ خاصٌّ، وهو أعظَمُ وأبلغُ. والتَّغنِّي بالقُرآنِ هو أنْ يَجهَرُ بقِراءتِه، ويُحسِّنَ صَوتَه به.
وقال -صلى الله عليه وسلم-:(زينوا القرآن بأصواتكم](أخرجه البخاري معلقاً قبل حديث (7544)].أي: أَخرِجوا أصواتَكم به في أَحسنِ صُورةٍ؛ مِن تَجوِيدٍ وترتيلٍ وتحسينٍ للصَّوتِ عند قراءتِه بما يُظهِرُ الخُشوعَ، ويَستجلبُ البُكاءَ من خَشيةِ اللهِ –تعالى-، ويُعينُ على تَدبُّرِ كلامِه سبحانَه. وفي الحديثِ: الاهتمامُ بأمرِ القرآنِ الكريمِ وتجويدِه وتلاوتِه.
جاء في حاشية السندي على ابن ماجة: "قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) أي بتحسين أصواتكم عند القراءة؛ فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن، وهذا مشاهد.
ومرَّ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بأبي موسَى ذاتَ لَيلةٍ ومعَه عائشةُ –رضي الله عنها-، وأبو موسى يَقْرأُ فقامَا فاستَمَعا لقِراءَتِه، ثمَّ مَضَيا، فلمَّا أصبَحَ أبو موسَى، وأتَى النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، قالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: مرَرْتُ بكَ يا أبا موسَى البارِحةَ، وأنتَ تَقْرأُ، فاستَمَعْنا لقِراءَتِكَ، فقالَ أبو موسَى: يا نَبيَّ اللهِ، لو علِمْتُ بمَكانِكَ لحبَّرْتُ لكَ تَحْبيرًا. [المستدرك على الصحيحين:ح:6093] وفي الحديثِ: أنَّ تَحسينَ الصَّوتِ بالقُرآنِ وتَطريبَه أمرٌ مطلوبٌ؛ ليَخشعَ القارئُ والمستمِعُ، ما لم يَخرُجْ ذلك إلى تغييرٍ في لفْظِه وحُروفِه وأحكامِه .
وجاء في الإتقان في علوم القرآن للسيوطي أنه يسن تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها. وقال النووي في التبيان في آداب حملة القرآن:" ويستحب طلب القراءة من حسن الصوت والإصغاء إليها." وقد بوب البخاري في كتابه الصحيح (باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن)، وكان قبله قد بوب بابًا بعنوان (من لم يتغن بالقرآن)، ونقل الإمام ابن حجر الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن.
قال الإمام ابن باز –رحمه الله- أن الرسول ﷺ حرض الأمة على تحسين الصوت بالقرآن؛ لأن ذلك أنفع للأمة وأشد أثرًا في القلوب؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح، يقول -عليه الصلاة والسلام(ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به) ويقول: (زينوا القرآن بأصواتكم)؛ لأن تزيين الصوت، وتحسين الصوت بالتلاوة يمكن دخول القرآن في القلوب، وتأثر القلوب بسماع آيات الله، بخلاف الصوت غير الحسن، فإن ذلك ينفر من سماع القرآن، ويدعو إلى الإعراض عن القارئ.
وقد روى الدارمى عن البراء بن عازب قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا"ا.هـ. أي: بجَمالِه وتأْثيرِه في القُلوبِ؛ فإنَّ الكلامَ الحَسنَ يَزدادُ حُسنًا وزِينةً بالصَّوتِ الحَسنِ.
لكن لا ينبغي أن يؤدي إلى زيادة في المد المطلوب، أو تغيير في الأحرف؛ حتى يخرج عن القراءة المشروعة، قال ابن قدامة في المغني: "ثبت أن تحسين الصوت بالقرآن، وتطريبه، مستحب غير مكروه، ما لم يخرج ذلك إلى تغيير لفظه، وزيادة حروفه.









