يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور ٤٤]
هذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات من سورة النور [من 41 إلى 46] يعدِّد فيها اللهُ عز وجل ذِكْرَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وفيها "بيَّن اللهُ تعالى عبوديَّةَ المخلوقاتِ، وافتقارَهم إليه مِن جِهةِ العبادةِ والتوحيدِ؛ ومِن جِهةِ المُلكِ والتَّربيةِ والتَّدبيرِ" [تفسير السعدي]؛ فقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ).
ثم يوجه سبحانه الأنظار إلى تَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ؛ فَقالَ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ).
ولنا في هذه الفائدة وقفةٌ مع قوله تبارك وتعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ).
التفسير:
(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)؛ أي: يُعقِّبُ اللهُ اللَّيلَ والنَّهارَ؛ فيأتي بأحَدِهما بعْدَ الآخَرِ، ويتصَرَّفُ فيهما بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ويغَيِّرُ حالَهما بالحَرِّ والبَردِ، والظُّلمةِ والنُّورِ إلى غيرِ ذلك، ويُديلُ الأيامَ بينَ عبادِه، ويَرفعُ أقوامًا ويضعُ آخرينَ إلى غيرِ ذلك. [التفسير المحرر].
وفي الحديث: «قالَ اللَّهُ تَعالَى: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ:، وأنا الدَّهْرُ، بيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ» [متفق عليه]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ»، يَعني: أنَّ ما يَجري فيهِما مِن خَيرٍ وَشَرٍّ بِإرادةِ اللهِ وتَدبيرِهِ، وَبِعِلمٍ مِنهُ تعالَى وَحِكمةٍ، لا يُشارِكُهُ في ذلكَ غَيرُه، ما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
الحكمة من تقليب الليل والنهار:
وأشار القاسمي في تفسيره «محاسن التأويل» إلى علة هذا التقليب؛ فقال: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) أي: يأتي بكل منهما بدل الآخر خلفًا له، أو يأخذ من طول أحدهما فيجعله في الآخر رحمةً بالعباد، لانتظام معايشهم.
فالله عز وجل يقلب الليل والنهار لمصالح العباد والحيوان والنبات، و"أعدل الأماكن التي يعيش فيها النبات والحيوان هي التي تتعاقب عليها الفصول الأربعة، وكل موضع لا تقع عليه الشمس، لا يعيش فيه حيوان ولا نبات، لفرط برده ويبسه، وكل موضع لا تفارقه كذلك، لفرط حره ويبسه". [موسوعة فقه القلوب (1/ 497)]
دلالات الآية:
- الإشارة إلى القدرة الإلهية: فإن تعاقب الليل والنهار واختلاف أطوالهما لا يحدث اعتباطًا، بل بتقدير محكم من الله عز وجل.
- الانتقال بين الأحوال: الليل للسكون والراحة، والنهار للسعي والعمل، وفي تعاقبهما توازن للحياة.
- توجيه للعباد للتأمل: خُتمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أي: لأصحابِ العُقولِ النَّافذةِ، الذين يعتَبِرونَ بالنَّظَرِ إليه، فيَستَدِلُّونَ بذلك على وُجودِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه وعظَمتِه وتوحيدِه. وفيها إشارة إلى "أنَّ عُمْيَ الأبصارِ لا يَستدِلُّونَ بهذه الآياتِ على كَمالِ قُدرتِه، ولا يَنتَفِعونَ منها بشَيءٍ". [تفسير سورة النور للشنقيطي (ص: 166)].
فوائد تربوية وإيمانية:
- تجديد الإيمان: فإن التأمل في تقليب الليل والنهار وفي تقليب الجو: دفئا وبرودة، وصحوا وغيما، يُذكر المؤمن بعظمة الخالق سبحانه؛ فيقف خاضعًا مستكينًا وهو يتفكر في قدرة ربه القوي العظيم.
- عدم القنوط من رحمة الله: فإن اللهَ القادرَ على تقليب الليل والنهار والتصرُّف في هذه الأمور العلوية قادرٌ على تقليب قلبك الذي بين جنبيك، فاسأله الهداية والثبات.
- الاستعداد للآخرة: كما أن الليل يعقبه نهار، فالدنيا يعقبها حساب وجزاء.
- تنظيم الوقت: الآية تحثّ ضمنيًا على اغتنام كلِّ وقت بما يناسبه من العبادة والعمل.
- تقلُّب الأحوال شدةً ورخاءً، سعةً وضيقًا: فإن في تقليب الليل والنهار دلالةً على أن الزمانَ لا يستقر على حال، وكذلك أحوال الخلق، فمن رأى نفسَه في رخاء وعافية فلا يأمن من نزولِ بلاءٍ، وكذلك مَن رأى نفسَه في بلاءٍ فليأمل خيرًا في زواله وتحول حاله إلى عافيةٍ ورخاء.
وختامًا؛ فإن قول الله جل ثناؤه: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يحمل في طياته دعوةً للتفكر، وتذكيرًا بحكمة الله في تدبير الكون، وهي دعوة للمؤمن أن يستغل وقته، ويثبت في قلبه عظمة ربه، وأن يتّعظ بتقلب الأحوال كما تتقلب الأوقات.
🔄 كما تتقلب الأوقات.. تتقلب الأحوال! ما العبرة التي خرجت بها من هذا المقال؟
🕊️ لا تنسَ أن هناك من يحتاج هذا التذكير.. انشر الخير بلمسة واحدة!









