يصور القرآن الكريم مشهدًا مهيبًا من مشاهد يوم القيامة، يهزّ القلوب الغافلة، وذلك حين يُساق أعداء الله إلى النار سوقًا عنيفًا، فيحاولون إنكار ما عملوا من المعاصي في الدنيا، ولكن الله عز وجل يُقيم عليهم «شهودا» من أنفسهم؛ فتنطق جوارحُهم التي ارتكبوا بها المعاصي لتشهد عليهم بما كانوا يعملون!
﴿وَیَوۡمَ یُحۡشَرُ أَعۡدَاۤءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ یُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰۤ إِذَا مَا جَاۤءُوهَا شَهِدَ عَلَیۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَـٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ٢٠﴾ [فصلت]
يقضي الإنسانُ حياته وهو يظن أن جوارحَه طوعُ بنانه، يحرّك يده كيف يشاء، ويمشي بقدمه حيث يريد، ويستتر عن أعين الناس ليفعل ما يشتهي، غافلاً عن أن هذه الأعضاء التي تخدمه اليوم هي نفسها التي ستكون "شهودا" عليه في هذا المشهد العصيب!
ويحاول الإنسان بلسانه الذي اعتاد المجادلةَ به في الدنيا أن ينكر أو يبرر ما عمله من المعاصي، ولكن أني له ذلك!
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]
تتعطل الألسنة، وتنطق الجوارح والأعضاء، كل عضو من أعضائهم يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا. وخُص هذه الأعضاء الثلاثة (السمع والبصر والجلود)، لأن أكثر الذنوب، إنما تقع بها، أو بسببها.
وحين يُفاجأ الكافر بهذه الشهادة، ويعجز عن الإنكار، يخاطب أعضاءه مُعاتبًا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ونحن ندافع عنكن؟! ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فليس في إمكاننا، الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا يستعصي عن مشيئته أحد. [تفسير السعدي]
ويكشف القرآن عن أصل المشكلة التي أوردت أصحابها موارد الهلاك، فيقول سبحانه:
﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن یَشۡهَدَ عَلَیۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَاۤ أَبۡصَـٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا یَعۡلَمُ كَثِیرࣰا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢﴾ [فصلت].
أي: وما كنتم تَسْتَخْفون عند ارتكابكم المعاصي؛ ولم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم؛ لأنكم لم تبالوا بشهادتها، ولم تظنوا أنها تشهد عليكم!
ما أقسى تلك اللحظة التي وصفها النبي ﷺ، حين يقول العبد لأعضائه بعد أن شهدت عليه: «بُعدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكنَّ كنتُ أُناضِل!». [مسلم (2969)]
إنها رسالة واضحة لكل عاقل:
احذر أن تعصي الله بجارحة ستشهد عليك، واستشعر أن عينيك وأذنيك وجميع أعضائك تسجل الآن شهادتها، واحذر أن تخلو بمعصية تظن أن الله لا يراك فيها ..
🤲اللهم استعمل جوارحنا في طاعتك وطهرها من المعاصي، واجعلها شاهدة لنا لا علينا
قولوا .. آمين









