يقول تعالى:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَ ٰجِكُمۡ وَأَوۡلَـٰدِكُمۡ عَدُوࣰّا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُوا۟ وَتَصۡفَحُوا۟ وَتَغۡفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ [التغابن ١٤]
يُعلِّمنا الله تعالى في هذه الآية كيف نتعامل مع أقرب الناس إلى قلوبنا: الزوجةِ والأبناء، فيُرشدنا إلى أن نكون على وعيٍ وحذرٍ فيما يخص ديننا ودنيانا، فقد يصدر منهم ما قد يجرّنا إلى البعد عن طاعة الله. ومع هذا التحذير، يرشدنا سبحانه إذا رأينا منهم ما نكره ألا نعاملهم بالقسوة أو الشدة، بل يوجّهنا إلى أعظم الأخلاق: العفو والصفح والمغفرة.
وكأن الله تعالى يقول: إن أشغلوكم عن طاعة الله، أو كانوا سببًا في تقصيركم، فلا تجعلوا ذلك بابًا للعقاب أو الانتقام، بل قابلوا ذلك بالعفو والصفح والمغفرة؛ لأن "الجزاء من جنس العمل؛ فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره".
سبب النزول:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في قومٍ مِن أهل مكة، أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبيَّ ﷺ، فأبى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم، فلما أتَوا رسولَ الله ﷺ فرَأَوا الناسَ قد فَقُهوا في الدين؛ همُّوا أن يُعاقِبوهم؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ…﴾.
وقال عطاء بن يَسار: نزلت سورةُ التَّغابُن كلّها بمكة، إلا هؤلاء الآيات: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ﴾؛ نزلت في عَوف بن مالك الأَشْجعيّ، كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بَكَوا عليه ورقَّقوه، فقالوا: إلى مَن تَدَعُنا؟ فيَرِقّ ويُقيم؛ فنَزَلَتْ هذه الآيات فيه بالمدينة.
وفي المقابل، قد يكون الزوج والأولاد عدوًا للمرأة، وهذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر ابن العربي: "كما أنَّ الرَّجُلَ يَكونُ له وَلَدُه وزَوجُه عَدُوًّا، كذلك المرأةُ يكونُ لها وَلَدُها وزَوجُها عَدُوًّا بهذا المعنى بعَينِه، وعُمومُ قَولِه: ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يَدخُلُ فيه الذَّكَرُ والأُنثى كدُخولِهما في كُلِّ آيةٍ".
فهذه الآية تعلمنا درسًا في فقه الحياة الأسرية، وتربِّي فينا الوعيَ الذي ندرك به أن أقرب الناس إلينا قد يكونون اختبارًا لإيماننا، وأن النجاح في هذا الاختبار لا يكون بالقسوة ولا بالغلظة، بل بالثبات على الحق مع حسن الخلق.
احكِ لنا في التعليقات👇
هل مررت بموقف شعرت فيه أن أقرب الناس أثّروا على طاعتك؟









