رتق وفتق.. سرّ عظيم في آية واحدة يهزّ عرش الإلحاد

رتق وفتق.. سرّ عظيم في آية واحدة يهزّ عرش الإلحاد
2025/08/03

في آية واحدة، يكشف الله عز وجل سرًا من أعظم أسرار الكون: كيف كان الرتق بداية، ثم جاء الفتق بأمره. إنها دعوة للتأمل في عظمة الخلق، ودقة النظام، وعجز الكافرين عن رؤية البرهان في السماء والأرض. قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء:30].

غرائب صنع الله وعجائبه:

يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد غيره أو يشرك به ما سواه؟

والاستفهام هنا لتوبيخ الكفار وتقريعهم، حيث يشاهدون غرائب صنع الله وعجائبه، ومع هذا يعبدون من دونه ما لا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه، ولا يقدر على شيء البَتّة.

ما المقصود بالرؤية هنا؟

والرؤية في الآية قد يكون المقصود بها القلبية، فيكون المعنى، ألم يتفكروا ولم يعلموا، وهذا توبيخ لهم على تقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ما سواه مقهورًا تحت ملكوته.

وقال الشنقيطي في أضواء البيان الأظْهر في "رأى" أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها، فيشاهدون بأبصارهم إنزال الله المطر وإنباته به أنواع النبات.

وقال ابن عاشور إن الرؤية هنا تحتمل أن تكون بصرية وأن تكون قلبية. والاستفهام صالح لأن يتوجه إلى كلتيهما؛ لأن إهمال النظر في المشاهدات الدالة على علم ما ينقذ علمه من التورط في العقائد الضالة حقيق بالإنكار، وإنكار إعمال الفكر في دلالة الأشياء على لوازمها حتى لا يقع أحد في الضلال جدير أيضًا بالإنكار.

لماذا أنكر الله عز وجل عليهم عدم الرؤية؟

وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلاً عنه بغير رافع لا سيما إذا كان المرتفع قائمًا بلا عماد، فكيف وهو عظيم الجسم؟

وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافئ وغيره، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه.

فهذه الدلائل دالة على كونه سبحانه وتعالى منزهًا عن الشريك؛ لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم، ووجود الإلهين يقتضي وقوع الفساد.

فهذه الدلائل تدل من جهة على التوحيد، وفيها أيضًا رد على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف يجوز أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع!

كيف كان الرتق، وبأيِّ معنى كان الفتق؟
وقوله تعالى ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ أي: فصدعناهما وفرجناهما، فالرتق في اللغة: السد، والفتق: الشق. وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق.

والمعنى: أو لم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله فيعلموا أن السماوات والأرض كانتا رَتْقا: يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق وكيف كان الرتق، وبأيْ معنى كان فتق؟

فقال بعضهم: عنى بذلك أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السماوات كانت مرتقة طبقة واحدة، ففتقها الله فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت كذلك مرتقة طبقة واحدة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين.

وقال آخرون: بل عنى بذلك أن السماوات كانت رتقًا لا تمطر، والأرض كذلك رتقًا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات.

ورجح كثير من أهل العلم أن السماوات والأرض كانتا رتقًا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه.

قال السعدي في تفسيره:

أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم، وجحدوا الإخلاص له في العبودية، ما يدلهم دلالة مشاهدة، على أنه الرب المحمود الكريم المعبود، فيشاهدون السماء والأرض فيجدونهما رتقًا، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر، وهذه هامدة ميتة، لا نبات فيها، ففتقناهما: السماء بالمطر، والأرض بالنبات، أليس الذي أوجد في السماء السحاب، بعد أن كان الجو صافيًا لا سحاب فيه، وأودع فيه الماء الغزير، ثم ساقه إلى بلد ميت؛ قد اغبرت أرجاؤه، وقحط عنه ماؤه، فأمطره فيها، فاهتزت، وتحركت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، مختلف الأنواع، متعدد المنافع، أليس ذلك دليلاً على أنه الحق، وما سواه باطل، وأنه محيي الموتى.

وجمع ابن كثير في تفسيره هذه الأقوال جميعها إذ لاتعارض بينها، فقال:

ألم يروا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي: كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه. فجعل السموات سبعًا، والأرض سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء: ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

وأيده ابن عاشور في التحرير والتنوير فقال:

الظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق؛ إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعًا، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس، وعلى عبرة خاصة بأهل النظر والعلم، فتكون من معجزات القرآن العلمية.

الإعجاز العلمي في الفتق والرتق:
 فسر علماؤنا في العصر الحديث هذه الآية على أنها تتحدث عما يسمى بالانفجار العظيم، وهي نظرية علمية حديثة، وملخصها أن الكون كان كتلة واحدة ثم انفجر وتباعدت أجزاؤه ثم شكل الذرات ومنها تشكلت النجوم والمجرات والشمس والقمر والأرض كما هو الوضع عليه اليوم.

وهي من حيث المبدأ صحيحة أي أن الكون كان كتلة واحدة ثم انفصلت أجزاؤها مشكلة المجرات والنجوم والكواكب، ولكن يوجد بها خطأ؛ لأن الانفجار لا يُنتج النظام الذي نراه في الكون، بل الانفجار ينتج الفوضى والدمار.

ولكن بعدما تطور العلم وبدأ العلماء يتحدثون عن الخيوط العظمى، وأن هذه الخيوط من المادة كانت متماسكة وقريبة من بعضها في بداية نشوء الكون، ثم بدأت تتباعد وفق نظام محكم يعتبره العلماء من أعظم الظواهر الكونية، هذه النظرية الجديدة والتي هي أقرب للحقيقة اليقينية، لأنها مشاهدة، فالمجرات تم رصدها في الكون ووضعها على شبكة ثلاثية الأبعاد على الكمبيوتر العملاق، وطُلب منه أن يضع كل مجرة في مكانها فكانت المفاجأة للعلماء أنهم رأوا خيوطًا من المجرات تتشابك وتتباعد عن بعضها عبر بلايين السنين.

ولذلك نستطيع أن نقول إن وجود هذه الخيوط الكونية المتقاربة في بداية الخلق هو الرتق الذي حدثنا عنه القرآن، وتباعد هذه الخيوط بنظام محكم هو الفتق، وهكذا يتحقق معنى الآية.

كما أن التفسير الذي ذهب إلى أن السماء كانت رتقًا لا تمطر، والأرض وكانت رتقًا لا تُنبت، ففتق الله السماء بالمطر، وفتق الله الأرض بالنبات، قد جاء ما يوافقه من الناحية العلمية إذ أن الأرض كانت في بداية خلقها ملتهبة لا تنبت، والغلاف الجوي لم يكن قد تشكل أي لا توجد أمطار، ثم تشكل الغلاف الجوي للأرض وتشكلت الغيوم وبدأت السماء تمطر، وبدأت الأرض تنبت بعد أن تبردت وتشكلت الجبال والأنهار والبحار.

وهكذا، تتلاقى حقائق الوحي مع مكتشفات العلم في مشهد مهيب من دلائل التوحيد والإعجاز. فسبحان من فتق الرتق، وأحكم نظام الكون بما يُدهش العقول، ويُسقط حجج المكذبين.

.......................................

المصادر:

  • تفسير الطبري
  • فتح البيان للقنوجي
  • تفسير ابن كثير
  • تفسير السعدي
  • أضواء البيان للشنقيطي
  • التحرير والتنوير لابن عاشور
  • تفسير الرازي
  • نظم الدرر للبقاعي
  • أسرار الإعجاز العلمي- عبد الدائم الكحيل

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة