سر آيات الاستئذان.. حصون تحمي البيوت وتصون الأعراض

سر آيات الاستئذان.. حصون تحمي البيوت وتصون الأعراض
2025/08/12

تُعَدُّ آيات الاستئذان من معالم التشريع الإسلامي التي تحفظ حرمة البيوت وتصون العورات، وجاءت إحدى هذه الآيات موجهة للأطفال عند بلوغهم الحلم لتربيتهم على أدب الدخول والاستئذان، في حكم قرآني يرسخ قيمة الحياء ويضع ضوابط واضحة للتعامل داخل الأسرة وخارجها.

قال الله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡیَسۡتَـٔۡذِنُوا۟ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَایَـٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ) [النور:59]

 

حد الطفل الذي يستأذن:

قال الله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ). و(ٱلۡحُلُمَ) هو إنزال المني يقظةً أو منامًا، وقد خصّ الله تعالى في هذه الآية الأطفال الذين بلغوا هذا الحد وهو الاحتلام، وتعريف حكمهم في الاستئذان بعد ما بين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان، فيما عدا الأوقات الثلاثة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور:58].

قال ابن جريج:

قلت لعطاء (وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡیَسۡتَـٔۡذِنُوا۟)

قال: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا.

وقال أبو إسحاق الفزاري: قلت للأوزاعي ما حد الطفل الذي يستأذن؟

 قال: أربع سنين، قال لا يدخل على امرأة حتى يستأذن.

 

لماذا وجه الخطاب إليهم؟

قال الله تعالى: (فَلۡیَسۡتَـٔۡذِنُوا۟). وقد وجَّه الخطاب لهم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف وتوجيه الخطاب إليهم. أي: فلا يدخلوا عليكم في وقت من الأوقات إلا بإذن، لا في أوقات العورات الثلاث ولا في غيرها.

قال ابن كثير في تفسيره:

إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.

قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير:

إذا كان الغلام رباعيًا [أي بلغ 4 سنوات] فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال.

وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته؟

قال: نعم. إن لم تفعل رأيت منها ما تكره.

 

استئذان من غير استثناء:

قال الله تعالى: (كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ). والذين من قبلهم، هم الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ْ﴾ [النور:27]. والمعنى استئذاناً كما استأذن الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء.

فالمعنى فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات. أي أنهم من عامة الناس الذين يستأذنون في جميع الأوقات.

 

آيات الاستئذان سياج متين يقطع أسباب الشر:

قال الله تعالى:﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. أي: هكذا يبين الله لكم أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ.

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيم في تدبيره خلقه.

وقد تكرر ذلك للتأكيد والمبالغة في طلب الاستئذان، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها وهو مما يقوي أمر التأكيد والمبالغة.

جاء في نظم الدرر:

ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسمًا لمواد الشر، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن، وكان إخراج الكلام في أحكام الحلال والحرام، مع التهذيب والبيان، في النهاية من الصعوبة، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان، إشارة إلى أنها - لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد، فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ بما له من صفات الكمال ﴿لَكُمْ﴾ مع ما لكم من خلال النقص ﴿ آيَاتِهِ﴾ أي العلامات الدالة عليه، فأضافها إليه سبحانه تعظيما لها، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات، وحثا على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم، وفصلت به من المواعظ، وتنبيها على ما فيها من العلوم النافعة دينا ودنيا، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال: ﴿وَٱللَّهُ﴾ أي المحيط بكل شيء ﴿عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾.

 

وفي الآية فوائد منها:

o                    الأمر بحفظ العورات، والاحتياط لذلك من كل وجه.

o                    جواز كشف العورة لحاجة، كالحاجة عند النوم.

o                    البلوغ يحصل بالإنزال فكل حكم شرعي رتب على البلوغ، حصل بالإنزال.

o                    الأطفال إذا بلغوا الحلم تغير حكمهم في الاستئذان إلى حكم استئذان الرجال.

o                    الأولاد البالغون لا يدخلون على والديهم إلا باستئذان.

o                    الاستئذان في جميع الأوقات واجب على سائر الناس سوى الأطفال الذين أبيح لهم إلا في العورات الثلاث.

 

وبهذا البيان الإلهي المحكم، تتضح عناية الإسلام بتهذيب السلوك منذ الصغر، وإغلاق أبواب الفتن قبل وقوعها، حمايةً للمجتمع وصيانةً للأعراض. فآيات الاستئذان ليست مجرد أحكام، بل هي حصون أخلاقية تحفظ الطهر وتشيع الاحترام بين الناس.

...........................

المصادر:

·                     تفسير الطبري

·                     فتح البيان للقنوجي

·                     تفسير ابن كثير

·                     تفسير القرطبي

·                     تفسير ابن جزي

·                     تفسير السعدي

·                     تفسير الآلوسي

·                     تفسير ابن عثيمين

·                     نظم الدرر للبقاعي

·                     التحرير والتنوير

·                     المحرر الوجيز لابن عطية

·                     الإكليل للسيوطي

 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة