سورة التحريم من السور المدنيّة، نزلت في مرحلة دقيقة من مراحل بناء المجتمع المسلم، حيث بدأ القرآن الكريم ينتقل من تأسيس العقيدة في القلوب إلى تقويم السلوك داخل البيوت، باعتبار الأسرة هي النواة الأولى لأي مجتمع صالح ومستقر.
وعدد آيات هذه السورة اثنتا عشرة آية، وهي سورة قصيرة في مبناها، عظيمة في معانيها، غنية بالدروس التربوية والتوجيهات التشريعية التي تمسّ حياة المسلم اليومية، وتبني وعيه الأسري والإيماني.
مناسبة التسمية
سُمّيت السورة بسورة التحريم لورود لفظ التحريم في مطلعها، مرتبطًا بسبب نزولٍ خاص، حين حرّم النبي ﷺ على نفسه شرب العسل إرضاءً لبعض زوجاته، فعاتبه الله عتابًا رفيقًا مليئًا بالرحمة والتأديب، فقال تعالى:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاۤ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِی مَرۡضَاتَ أَزۡوَ ٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التحريم ١]
وفي هذا العتاب تقريرٌ لقاعدة عقدية وتشريعية محكمة، وهي أن التحليل والتحريم حقٌّ خالص لله تعالى، لا يجوز أن يُنازعه فيه أحد، مهما حسنت النية أو صلحت الدوافع.
كما ترسّخ الآية مبدأً تربويًا بالغ الأهمية، وهو أن العاطفة لا ينبغي أن تتقدّم على حكم الوحي، وأن إرضاء الناس إن أدّى إلى مخالفة شرع الله، فإنه يُراجع ويُصحّح. ولم يكن هذا التوجيه خاصًا بالواقعة وحدها، بل هو خطاب للأمة كلها، يضبط ميزان المشاعر، ويؤكّد أن رضا الخالق مقدَّم على رضا المخلوقين.
محور السورة الرئيسي
المحور الأساس لسورة التحريم هو تربية الأسرة المسلمة وبناء البيت المؤمن على أساس التقوى والطاعة والمسؤولية. تنطلق السورة من البيت النبوي بوصفه القدوة العليا، لتتناول قضايا أسرية حسّاسة مثل إدارة الخلاف، وحفظ الأسرار، وضبط الانفعالات داخل الحياة الزوجية.
ثم يتسع الخطاب ليشمل المؤمنين جميعًا بنداء حازم يحمل معنى التكليف والرعاية:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارࣰا﴾ [التحريم ٦] لتقرّر أن مسؤولية الإيمان لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والتربية والتوجيه.
وتؤكّد السورة أن التوبة النصوح أساس الإصلاح الحقيقي، ثم تعرض نماذج متقابلة تغرس ميزان العدل الإلهي في القلوب؛ فزوجتا نوح ولوط عليهما السلام لم تنفعهم القرابة، بينما بلغت امرأة فرعون ومريم ابنة عمران أعلى درجات الإيمان رغم القهر والابتلاء. والرسالة الجامعة: أن النجاة تكون بالصدق والطاعة، لا بالانتماء ولا بالمكانة.
سؤال للتفاعل:
هل تعرف كم عدد السور المدنيّة في القرآن الكريم؟









