﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ یَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفࣰا وَطَمَعࣰا وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ * فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسࣱ مَّاۤ أُخۡفِیَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡیُنࣲ جَزَاۤءَۢ بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة ١٦- ١٧]
هاتان الآيتان من سورة السجدة من أكثر الآيات ترغيبًا في قيام الليل؛ حيث وصف حال الله تبارك وتعالى المحبين القائمين في جوف الليل، وأخفى جزاء عملهم في الآخرة مقابل ما أخفوا من عملٍ في الدنيا؛ إذ إن صلاتهم في جوف الليل من أخفى العبادات عن أعين الناس؛ فتكون أخلصَ لله وأبعدَ عن الرياء.
وقد تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَةَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] فَقَالَ: «هُوَ قِيَامُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» [تفسير مجاهد (ص544)].
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «ألا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16]- حَتَّى - {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] [صحيح الترمذي (2110)]
وقال سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: شَهِدْتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فيه الجَنَّةَ حتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قالَ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في آخِرِ حَديثِهِ: فِيهَا ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ ثُمَّ اقْتَرَأَ هذِه الآيَةَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17]. [صحيح مسلم (2825)].
🔴سبب النزول:
روى الترمذي عن أنسِ بن مالكٍ، رضي الله عنه: أنَّ هذه الآيَةَ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} [السجدة: 16] نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ التي تُدْعى العَتَمَةَ. [صحيح الترمذي (3196)]. وصلاة العَتَمَةَ أي صلاة العشاء.
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله نه أيضًا قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} الْآيَةَ. كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَلَا نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا حَتَّى نُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» [أسباب النزول(ص348)].
🔴تفسير الآيات:
قوله عز وجل: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} يعني: بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. [تفسير ابن كثير]
ومعنى (تتجافى): «أي ترتفع والمعنى يتركون مضاجعهم بالليل من كثرة صلاتهم النوافل، ومن صلى العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه من هذا»[تفسير ابن جُزَيّ].
وقوله جل ثناؤه: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: خوفًا من وبال عقابه وطمعًا في جزيل ثوابه. [تفسير ابن كثير]. وعبر بلفظ (طمعاً) دون الرجاء؛ إشارة إلى أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئاً، بل يطلبون فضله بغير سبب، وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى؛ فهم لا ييأسون من روحه. [نظم الدرر للبقاعي].
وقوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} في وجوه الخير؛ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة (قيام الليل) والمتعدية (الإنفاق). ولما ذكر إيثارهم التقرب إلى الله على حظوظ لذاتهم الجسدية ذكر معه إيثارهم إياه على ما به نوال لَذات أخرى؛ وهو المال. [تفسير ابن عاشور].
قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ أي: فلا يعلم أحدٌ عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد؛ لما أخفوا أعمالهم، كذلك أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقاً؛ فإن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم ترَ عين، ولم يخطر على قلب بشر. [تفسير ابن كثير].
قال ابنُ القيم -رحمه الله-: وتأمَّل كيفَ قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الَّذي أخفاهُ لهم ممَّا لا تعلمه نفس، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حتى يقوموا إلى صلاة الليل بقُرَّة الأعين في الجنَّة. [حادي الأرواح (2/ 593)].
وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "قالَ اللَّهُ تعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولَا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. [أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824)].
فما أجمل أن نضع هاتين الآيتينِ نصبَ أعيننا في هذه الليالي المباركة ونتأمل عظم ما أخفى اللهُ لعباده القائمين والمتهجدين في جنات النعيم؛ ليكون ذلك مشوّقًا لنا ودافعًا إلى الاجتهاد أكثر، خاصةً ونحن مقبلون على العشر الأواخر من شهر رمضان وهي ذروة سنام الشهر الفضيل ومضما السباق الحقيقي، ومحل ليلة القدر، وحيث كان يجتهد فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما لا يجتهد في غيرها.
هل وضعتَ خطةً لاستغلال وقتك في العشر الأواخر؟ .. ما هي العبادات التي تنوي الاجتهاد فيها؟🤔 .. أخبرنا في التعليقات ✍️









