يُعَدّ الإمام قالون أحدَ أبرزِ رواةِ القرآن الكريم، وهو راوي الإمام نافع المدني، امتازت روايته بالدقة والجمال، وانتشرت في بلاد المغرب العربي وأجزاء من إفريقيا، وما تزال متداولةً ومعتمدةً إلى يوم الناس هذا في المصاحف والروايات القرآنية.
اسمه ونسبه:
هو عِيْسَى بنُ مِيْنَا بن وَرْدَان بن عيسى الزُّرَقّي، وكنيته "أَبُو مُوْسَى"، واشتهر بلقبه "قَالُون"، وهو لقبٌ أطلقه عليه شيخُه الإمام نافع لجودة قراءته، حيث تعني كلمة "قالون" بلغة الروم: جيد.
قال قالون: كان نافع إذا قرأتُ عليه يعقد لي ثلاثين، ويقول لي: قالون يعني جيدا جيدا بالرومية! [«غاية النهاية (2/ 881)]
قيل إنما كلمه بالرومية؛ لأن أصل قالون من الروم؛ حيث كان جدُّ جدِّه عبد الله من سَبْي الروم أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فبيع في المدينة فاشتراه بعض الأنصار فأعتقه؛ فهو مولى بني زُهرة من الأنصار.
وُلد قالون سنة 120 هـ في أيام هشام بن عبد الملك، وقرأ على نافع سنة 150هـ في أيام المنصور، ومات سنة 205 هـ في أيام المأمون، وله يومئذ 85 سنة. [طبقات القراء السبعة وذكر مناقبهم وقراءاتهم» (ص120)]
وقيل: بل تُوفي سنة 220 هـ، وهو ما رجَّحه الذهبيُّ وابنُ الجزَري؛ فيكون قد عُمِّر مئة سنة، رحمه الله تعالى.
صفاته ووَرَعُه:
من عجيب ما يُذكر في ترجمة الإمام قالون رحمة الله عليه أنه كان أصمَّ شديدَ الصَّمَمِ، لا يسمع البُوق إذا نُفخ في أُذنه، فإذا قَرَأَ عليه قارئٌ القرآن فإنَّه يسمعُهُ!
قال علي بن الحسن الهسنجاني: كان قالون عيسى بن ميناء أصمَّ شديد الصمم، فلو رفعتَ صوتك حتى لا غاية لم يَسمَعْ، وكان يُقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فكان ينظر إلى شفتي القارئ فيردُّ عليه اللحن والخطأ.
وقال ابن أبي حاتم: كان أصمَّ يُقرِئ القرآنَ ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة! [غاية النهاية 1/ 616]
وكان يضرب بـ"قالون" المثل في ورعه وصيانته في القضاء، حتى إن الخليفة أوصى وزيرَه به وبالقاضي إسماعيل، وقال: بهما يُدفعُ البلاءُ عن أهل الأرض!
وكان كثير السماع؛ سمع أحمد بن حنبل وغيره.
وكان لا يُرى مُتبسِّمًا قطّ، فقالت له يوما امرأتُه: لا يحلُّ لك أن تحكم بين النّاس، فإن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يحلّ للقاضي أن يقضيَ وهو غضبان»؛ فتبسم! [شذرات الذهب في أخبار من ذهب» (3/ 413، 414)]
مكانته وعلمه:
وصفه الذهبيُّ في صدر ترجمته بـ«مُقْرِئُ المَدِيْنَةِ، وَتِلْمِيْذُ نَافِعٍ … الإِمَامُ، المُجَوِّدُ، النَّحْوِيُّ» [سير أعلام النبلاء (10/ 326)]
وقالون هو أحد رواة القُرَّاء السبعة، وقد انتهت إليه الرياسة في علوم العربية والقراءة في زمانه بالحجاز، وكان له مكانةٌ خاصةٌ عند شيخه نافع، وقرأ عليه غير مرَّة، وكتبها في كتابه.
قيل لقالون: كم قرأتَ على نافعٍ؟ قال: ما لا أحصيه كثرةً إلا أني جالستُه بعد الفراغ عشرين سنة!
وحدَّث قالون، قال: قال لي نافعٌ: كم تقرأ عليَّ! اجلس إلى أُصْطُوانةٍ حتى أُرسلَ إليك مَن يقرأُ. [غاية النهاية (1/ 615)]
وقالون هو أحد الراوييْن المبرَّزَيْنِ لقراءة الإمام نافع، والآخر هو الإمام ورش؛ يقول الشاطبي رحمه الله:
فَأَمَّا الْكَرِيمُ السِّرِّ في الطيِّبِ نَافِعٌ … فَذَاكَ الَّذِي اخْتَارَ الْمَدينَةَ مَنْزِلَا
وَقَالُونُ عِيْسَى ثُمَّ عُثْمانُ وَرْشُهُمْ … بِصُحْبَتِهِ المَجْدَ الرَّفِيعَ تَأَثَّلَا
شيوخه في القراءة:
قرأ قالون على: شيخه نافع، وقد اختصَّ به كثيراً، كما مرَّ بنا، ويُقال: إنه كان ربيبَ نافعٍ. كما قرأ على أبي جعفر (يزيد بن القعقاع)، وعيسى بن وَرْدَان، وغيرهم.
رواة القراءة عنه:
روى القراءة عن قالون خلقٌ كثيرٌ، منهم: إبراهيم بن الحسين الكسائي، وإبراهيم بن محمد المدنيّ، وأحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن يزيد الحلوانيّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، والحسن بن علي الشحَّام، والحسين بن عبد الله المعلم، وسالم بن هارون أبو سليمان، وعبد الله بن عيسى المدني، وغيرهم. [تراجم القراء العشر ورواتهم المشهورين، د. طه فارس، ص: 25]
أهم مناطق انتشار رواية قالون:
تُعد ليبيا حاليا هي معقل رواية قالون؛ حيث تنتشر انتشارًا كبيرًا بل هي السائدة هناك، كما تهتم بطباعة المصحف برواية قالون.
كما تنتشر الرواية في تونس وموريتانيا وبعض الأماكن الأخرى في أفريقيا.
نسأل الله أن يجزي الإمام قالون خيرًا على ما قدّم لخدمة كتاب الله، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصتُه.
💡 من أعجب سير أئمة القراءة .. لا تفوِّت فرصة التعرُّف على عظمة هذا الإمام.. فقصتُه تستحقُّ أن تُروى!









