قلوب على الشاشات.. ومصايد خلف الشات

قلوب على الشاشات.. ومصايد خلف الشات
2025/10/29

حين تُفتح أبواب القلوب بغير ضابط من عقلٍ أو دين، تتسلّل الفتنة لتقلب الموازين، وتكشف ضعف النفوس أمام سطوة الهوى. وقصة امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام شاهدٌ خالدٌ على ضلال الحبّ إذا تجاوز حدوده وخرج عن طاعة الله.

 

فضيحة في قصر العزيز:

تحدث النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز في مصر، وشاع من أمرهما فيها ما كان، فلم ينكتم، وقلن: ﴿ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ تُرَ ٰ⁠وِدُ فَتَىٰهَا﴾ أي: عبدها ﴿عَن نَّفۡسِهِ﴾، وجيء بالمضارع تنبيهًا على أن هذا الفعل القبيح صار مهنة لها وديدنًا، وأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر؛ لأن النفس تميل إلى سماع أخبار المشهورين.

قال ابن القيم: وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر.

أحدها: أنهم لم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات زوج، فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.

الثاني: أن زوجها عزيز مصر، ورئيسها، وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.

الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حرّ. وذلك أبلغ في القبح.

الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت. بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد.

الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.

السادس: أنه أعفّ منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، وهذا غاية الذم لها.

 

تحذير من حبٍّ يتجاوز حدود العقل والدين:

وقوله تعالى: ﴿قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ﴾، أي: قد وصل حبُّ يوسف إلى شَغَاف قلبها فدخل تحته، حتى غلب على قلبها، ومعنى الكلام أنَّ الحبَّ قد عمَّها. قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى صارت لا تتعقل شيئًا سواه.

ودلالة الكلام أن هذا أمر مستقبح، فهي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه.

وفيه الحذر من المحبة التي يخشى ضررها؛ فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى، بسبب خلوها بيوسف، وحبها الشديد له، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسجن بسببها.

 

موقف يفضح ضلال الهوى:

وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾، قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه، وغلبة حبه عليها، لفي خطأ من الفعل، وجَوْر عن قصد السبيل.

و﴿إنّا لَنَراها﴾ أي نعلم أمرها علمًا هو كالرؤية، ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عظيم عن طريق الرشد والصواب، ﴿مُبِينٍ﴾ واضح لا يخفى كونه ضلالًا على أحد، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس؛ حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر.

قال ابن القيم:

قولهن ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح. فنسبن الاستقباح إليهن، وحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلاً على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.

 

حقيقة العلاقات التي شاعت بين الشباب والفتيات باسم الحبّ:

إن هذه العلاقات التي شاعت بين بعض الشباب والفتيات باسم الحبّ، والرغبة في الزواج، هي في حقيقتها باب شر وفساد، لا يقرّها الشرع، ولا ترضاها آداب الإسلام، وعاقبتها وخيمة على الطرفين.

ولعظم هذه الفتنة قدمها القرآن على بقية الشهوات، فقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]. قال ابن كثير: بدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد.

فالواجب على المسلم أن يكون على حذر من أمره فيما يخص النساء، فقد قال رسول الله ﷺ (ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ) [رواه البخاري (5096) ومسلم (2740)].

 

الطريقة الشرعية التي لا تتعارض مع ديننا:

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ما هي الطريقة الشرعية التي لا تتعارض مع ديننا الإسلامي الحنيف في تبادل الحب بين الشباب والفتيات؟

فأجاب: الطريقة الشرعية في ذلك أن الإنسان إذا وقع في قلبه محبة امرأة ليست مع زوج، هو أن يخطبها من أهلها، ثم يتزوجها بالنكاح الصحيح؛ وبذلك يكون قد سار على الطريق السليم الشرعي.

وفي هذه الحال؛ لا يجوز أن يتصل بها على وجه الانفراد قبل عقد الزواج، ولا يجوز أيضًا أن يبادلها رسائل الحب، والتملق، والتلذذ بالمكاتبة والمخاطبة، وما أشبه ذلك؛ لأن المشروع أن ينظر إليها فقط؛ لما يدعوه إلى نكاحها، وأما المراسلات، والمكاتبات، والمكالمات في الهواتف، وما أشبه هذا، فهذا لا يجوز؛ لأنه يحصل به فتنة.

 

وختامًا:

فإن العفة صمّام الأمان، ومن تركها ضلّ طريقه كما ضلّت امرأة العزيز حين غلبها هواها. فليكن سلوكنا منضبطًا بشرع الله، قائمًا على الحلال والحياء، لا على الشهوة والافتتان.

 

شاركنا الرأي:

هل توافق أن "النية الطيبة" تكفي لتبرير المحادثات الخاصة بين الجنسين؟

...........................

المصادر: تفسير الطبري-فتح البيان للقنوجي-تفسير السعدي- تفسير الآلوسي- تفسير ابن القيم- نظم الدرر للبقاعي- فتاوى نور على الدرب

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة