اختلف أهل العلم في المراد بإنزال الحديد في الآية الكريمة من سورة الحديد (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [الحديد:25].
قال الشوكاني: أي: خلَقْناه، كما في قَولِه تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) [الزمر: 6] والمعنى: أنَّه خلَقَه مِن المعادِنِ، وعَلَّم النَّاسَ صَنْعَتَه.
وقيل: سُمِّيَ إيجادُهُ إنْزالًا، ولِأنَّ الأوامِرَ بِالإيجادِ والإعْدامِ تُنْزَلُ مِنَ السَّماءِ عَلى أيْدِي المَلائِكَةِ لِأنَّ السَّماءَ مَحَلُّ الحَوادِثِ الكِبارِ، والبَدائِعِ والأسْرارِ، لِأنَّ الماءَ الَّذِي هو أصْلُهُ وأصْلُ كُلِّ نامٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وتَكُونُ الأرْضُ لَهُ بِمَنزِلَةِ الرَّحِمِ لِلنُّطْفَةِ.[نظم الدرر للبقاعي]
وقال الماوردي في النكت والعيون: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مَعَ آدَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأرْضِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّماءِ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا﴾ مَحْمُولًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أيْ أظْهَرْناهُ.
الثّانِي: لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ فَيَنْعَقِدُ في الأرْضِ جَوْهَرُهُ حَتّى يَصِيرَ بِالسَّبْكِ حَدِيدًا.
ترجيح شيخ الإسلام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها تأتي بطون أمهاتها ويقال للرجل: قد أنزل الماء وإذا أنزل وجب عليه الغسل مع أن الرجل غالب إنزاله وهو على جنب إما وقت الجماع وإما بالاحتلام فكيف بالأنعام التي غالب إنزالها مع قيامها على رجليها وارتفاعها على ظهور الإناث ومما يبين هذا أنه لم يستعمل النزول فيما خلق من السفليات فلم يقل أنزل النبات ولا أنزل المرعى وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام ".[مجموع فتاوى ابن تيمية]
ما المنافع المقصودة؟
قال الرَّسْعَني في تفسيره: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) في مَعايِشهم ومصالحِهم وصنائِعِهم. فقَلَّ أن تَرى صنعةً إلَّا والحديدُ قِوامُها، أو له فيها مَدخَلٌ بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ.
من الفوائد المستفادة:
في هذه الآية لَفتُ بَصائِرِ السَّامِعينَ إلى الاعتِبارِ بحِكمةِ اللهِ –تعالى- مِن خَلقِ الحَديدِ وإلهامِ صُنْعِه، والتَّنبيهِ على أنَّ ما فيه مِن نَفْعٍ وبأسٍ إنَّما أُريدَ به أن يُوضَعَ بأسُه حيثُ يَستَحِقُّ، ويُوضَعَ نَفْعُه حيثُ يَليقُ به، لا لِتُجعَلَ مَنافِعُه لِمَن لا يَستَحِقُّها، مِثلُ قُطَّاعِ الطَّريقِ، والثُّوَّارِ على أهلِ العَدْلِ؛ ولِتَجهيزِ الجُيوشِ لحِمايةِ الأوطانِ مِن أهلِ العُدوانِ، وللادِّخارِ في البُيوتِ لِدَفعِ الضَّارياتِ والعادياتِ على الحُرَمِ والأموالِ.[ تفسير ابن عاشور]









