يقف المتأمل في السيرة أمام شخصية تربّت على عين الرحمة الإلهية؛ شخصية حملت الوحي بقلب ثابت وعزم لا يضعف.
فقد قدّم النبي ﷺ نموذجاً عملياً للصبر في مواجهة البلاء ومشاق الدعوة، مما يجعله قدوة لكل من يحمل رسالة أو يواجه ابتلاء.
أولاً: الصبر على الأذى في بداية الدعوة
منذ الجهر بالدعوة، واجه النبي ﷺ أذىً شديداً من قريش، رغم معرفتهم بصدقه.
وفي الصحيحين أن المشركين وضعوا سَلى الجزور على ظهره ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، فأزالته فاطمة رضي الله عنها، بينما بقي صابراً محتسباً.
وفي هذا السياق نزل قوله تعالى:
﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ﴾[طه:١٣٠].
قال الطبري:
هي خطاب بالصبر على أذى المشركين، وتثبيت للنبي بالتسبيح ليقوى قلبه.
وذكر ابن كثير أنها جاءت تسلية للنبي ﷺ لما يلقاه من تكذيب وسخرية.
كما صبر النبي ﷺ على الحصار في الشِعب ثلاث سنوات حتى أكل أصحابه ورق الشجر، ومع ذلك لم يتراجع عن دعوته، وبقي ثابتاً لا يساوم.
ثانياً: الصبر على الابتلاءات الكبرى في مسيرة الدعوة
اشتد البلاء حين فقد النبي ﷺ زوجته خديجة رضي الله عنها وعمه أبا طالب، ومع ذلك واصل الدعوة بقلبٍ مطمئن وثبات راسخ.
كما شهد الصحابة بثباته في مواقف الغزو، حيث كان أشجعهم وأصبرهم، مما يعكس كمال صبره وشجاعة قلبه.
قال علي رضي الله عنه:
كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه:
فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عَرِيٍ ما عليه سرج في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا.
ويكفيه قول ربه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم:٤].
خاتمة:
إن صبر النبي ﷺ مدرسة تهدي المسلم إلى الثبات أمام المحن وحسن التوكل على الله، فمن اتبع هديه اهتدى، ومن تأمل سيرته ازداد يقيناً بأن الصبر طريق الرفعة والتمكين.
وصَلِّ اللهم على سيدنا محمد ﷺ، الذي علّمنا كيف نواجه البلاء بقلوب ثابتة ونفوس مطمئنة.
شاركنا رأيك:
لو كنت مكان النبي ﷺ في بداية الدعوة، ما الموقف الذي تعتقد أنه كان الأصعب عليك؟
- الأذى
- الحصار
- الفقد
- السخرية









