من بيت المقدس إلى الكعبة.. قصة تحويل القبلة!🕋

من بيت المقدس إلى الكعبة.. قصة تحويل القبلة!🕋
2025/02/13

يقول الله جلَّ ثناؤه: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَیَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤٤]

وحول سبب نزولها، أخرج الشيخانِ في صحيحيْهما، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]؛ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ". [البخاري (399)، ومسلم(525)].

واختلفوا حول السبب الذي لأجله كان النبيُّ ﷺ يهوى قبلةَ الكعبة، فقال بعضُهم: كرِهَ قبلةَ بيت المقدس، من أجل ما بلغه أن اليهودَ تقول: "يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!" أو تقول: "والله ما دَرَى محمدٌ وأصحابُه أين قبلتهم حتى هديناهم!". وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام. [تفسير الطبري]. ولا يُستبعد اجتماع السببين معًا لدى النبي ﷺ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُدَّةِ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ، إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ قَدُومِهِ إلى المَدِينَةِ عَلى أقْوالٍ: أشهرها ستة عشر شهرًا، كما رواه عددٌ من الصحابة هم: معاذ بن جبل وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ومن التابعين سعيدُ بن المسيب مرسلًا، والأسانيد إليهم صحيحة [صحيح مسلم 1/ 374 وجزم به، وصحيح البخاري (فتح الباري 1/ 95) لكن رواية البخاري تذكر "ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا" -على الشك-].

وقال الحافظ ابنُ حجر جمعًا بين الروايات التي جاءت بالشكِّ: «ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا»، أو بالجزم من غير شك: "سِتَّةَ عَشَرَ"، أو: "سَبْعَة عشر"، قال: "وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ جَزَمَ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَفَّقَ مِنْ شَهْرِ الْقُدُومِ وَشَهْرِ التَّحْوِيلِ شَهْرًا وَأَلْغَى الزَّائِدَ وَمَنْ جَزَمَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ عَدَّهُمَا مَعًا وَمَنْ شَكَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُور وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَد صَحِيح عَن ابن عَبَّاس وَقَالَ ابن حِبَّانَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي ثَانِي عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ". [فتح الباري لابن حجر (1/ 96 -97)].

وهذا يقودنا إلى الزمن الذي وقع فيه تحويل القبلة، وسبق معنا قولُ ابن حجر أنه كان "فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُور". وقد حدّد سعيدُ بن المسيب تاريخَ تحويل القبلة إلى الكعبة بشهرين قبل بدر [طبقات ابن سعد 1/ 242]، فيكون في 17 رجب سنة اثنتين -إذا تحرينا الدقة- أو منتصف رجب كما جزم بذلك الجمهور.

ورأى بعضُهم أن تحويلَ القبلة كان في منتصف شهر شعبان، نسبه الحافظ ابن حجر إلى مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، قال: "وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ مَعَ كَوْنِهِ رَجَّحَ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ رِوَايَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا لِكَوْنِهَا مَجْزُومًا بِهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ إِلَّا إِنِ أَلْغَى شَهْرَيِ الْقُدُومِ وَالتَّحْوِيلِ". [فتح الباري لابن حجر (1/ 97)].

وأورد هذا الرأيَ أيضًا ابنُ القيم -رحمه الله-، قال في الزاد: "وَلَمَّا كَانَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ". [زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 153)]، وابنُ كثير في البداية والنهاية، ذكر بعد أن أورد الرأي الأول (أنه في رجب): "وَقِيلَ: فِي شَعْبَانَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَعْدَ غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ. وَيُقَالُ: صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ. وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ، أَنَّهَا صُرِفَتْ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ". [البداية والنهاية(5/ 45)].

وإن كان القلب يطمئن إلى ما جزم ابنُ حجر والجمهور بصحته من أن تحويل القبلة كان في منتصف رجب من السنة الثانية للهجرة، إلا أن هذا الحدث التاريخي الفريد قد ارتبط بشكل أو بآخر بشهر شعبان، وهو الشهر الذي يُعد محطة إيمانية للتهيئة لشهر رمضان، كما كان في تحويل القبلة تمايز كامل للمسلمين عن أهل الكتاب، وتوطئةً مهمة لغزوة بدر الكبرى التي كانت حدثًا فارقًا في تاريخ المسلمين. 

ويحمل حدثُ تحويل القبلة درسًا إيمانيًا خالدًا في الطاعة واليقين والاستجابة؛ حيث بادر الصحابةُ رضوان الله عليهم إِلى تنفيذ أوامر الله عَزَّ وَجَلَّ ورسوله ﷺ فاستداروا وهم في صلاتهم إِلى القبلة الجديدة وأكملوا الصلاة ولم يبطلوا السابقة.

 

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة