سُمِّيَت البقرةُ وآلُ عِمرانَ الزَّهراوينِ؛ فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ -رضي الله عنه-، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- يقول: (اقْرَؤوا القرآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابه، اقرَؤوا الزَّهرَاوَيْنِ: البقرةَ، وسورةَ آلِ عمرانَ ) [رواه مسلم:804]ٍ؛ لأنَّهما نُورانِ، أو لِكَثْرةِ أنوارِ أحكامِ الشَّرْعِ والأسماءِ الحُسنَى فيهما. وخصَّ -صلَّى اللهُ عليهِ- وسلَّم بالذِّكرِ قِراءةَ سُورَتَيِ البقرةِ وآلِ عِمرانَ؛ بيانًا لعِظَمِ مَنزلتِهما، وتأكيدًا لِخُصوصِيَّتِهما في الشَّفاعةِ لمَن داوَمَ على قِراءتِهما والعمَلِ بما فيهما.
ولهذه السُّورة الكريمةِ فضائلُ متعدِّدة، منها:
1/ تعظيم أجر من قرأ بآخر آيتين منها
فعن أَبي مَسعودٍ عُقبةَ بن عمرو -رضي الله عنه-، أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- قال: (مَن قرَأ بالآيتَينِ مِن آخِرِ سورةِ البَقرةِ في ليلةٍ كفَتاه) [رواه البخاري:5008].
وفي هذا الحَديثِ يُبيِّنُ رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عَظيمَ أجْرِ قارئِ آخِرِ آيَتَينِ من سُورةِ البَقَرةِ، وهما قولُه تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 285، 286].
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
2/ أنها تُنفِّر الشيطانَ من البَيت الذي تُقرأ فيه
فعَن أبي هُرَيرةَ -رضي الله عنه-، أنَّ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- قال: (لا تَجْعَلوا بُيوتَكم مقابرَ؛ إنَّ الشيطانَ ينفِرُ من البيتِ الذي تُقرأ فيه سورةُ البَقرة)[رواه مسلم:780].
والحَديثُ يدُلُّ على فَضيلةِ سورةِ البَقرةِ، وتَقْديمِها على غَيرِها، وإنَّها لَكذلكَ؛ فقدْ جمَعَتْ من أحْكامِ الشَّرعِ ما لم تَجمَعْه سورةٌ في القُرآنِ، فهي مُشتمِلةٌ على صِفاتِ المؤمِنينَ، وصِفاتِ المنافِقينَ، وشَرحِ قِصصِ بَني إسْرائيلَ، والزَّجرِ عنِ السِّحرِ والرِّبا، وذِكرِ القِبلةِ والصَّلاةِ والصَّومِ والحَجِّ والعُمرةِ، والطَّلاقِ والعِدَدِ، والدُّيونِ والشُّروطِ، والرَّهنِ والقِصاصِ، وغَيرِ ذلك منَ الأحْكامِ.
وفي صحيح ابن حبان والحاكم وغيرهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليالٍ). صححه الحاكم وحسنه الألباني.
3/اخذها بركة وتركها حسرة
فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ -رضي الله عنه-، قال: سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- يقول: (اقرَؤوا سورةَ البقرةِ؛ فإنَّ أَخْذَها بَركةٌ، وتركَها حَسرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلَةُ ).[رواه مسلم:804].
"فإنَّ أَخْذَها" وذلك بالمواظَبةِ على تِلاوتِها، والتَّدبُّرِ في مَعانيها، والعَمَلِ بما فيها، "بَرَكَةٌ"، أي: زِيادةٌ، ونَماءٌ، ومَنْفَعةٌ عَظيمةٌ لِقارئِها، "وَتَرْكَهَا حَسْرةٌ"، أي: تَلهُّفٌ وتأسُّفٌ على ما فاتَ مِنَ الثَّوابِ، ثمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنَّه لا يَقْدِرُ عليها "البَطَلَةُ" وهم السَّحرةُ، والمقصودُ أنَّهم لا يَستطيعون قِراءتَها؛ لِزَيْغِهم عَنِ الحقِّ، وانْهِماكِهم في الباطلِ، أو أنَّهم لا يَستطيعون دَفْعَها، واختراقَ تَحْصِينِهَا لِمَنْ قَرَأَها أو حَفِظَهَا؛ فهي حِصْنٌ لِقارئِها وحافِظِهَا مِنَ السِّحْرِ.









