من مسائل العقيدة التي دار حولها نقاشٌ بين أهل العلم مسألةُ زيادة الإيمان ونقصانه. وقد حسم القرآن الكريم هذا الخلاف في أكثر من موضع، ومنها قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِینَةَ فِی قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ لِیَزۡدَادُوۤا۟ إِیمَـٰنࣰا مَّعَ إِیمَـٰنِهِمۡۗ﴾ [الفتح ٤]. فهذه الآية تقرر مبدأ الزيادة في الإيمان؛ فهل يمكن أن ينقص أيضًا؟ وما أدلة ذلك؟ وما موقف السلف من هذه المسألة؟
📚الإيمان: تعريفه لغةً وشرعًا
«الإيمان» في اللغة بمعنى التصديق، واختار شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ رحمه الله تفسير الإيمان بـ(الإقرار) لا مجرد التصديق [ينظر: مجموع الفتاوى (7/291)]. وكذا رجح الشيخُ ابنُ عثيمين رحمة الله عليه؛ حيث يقول: "أكثَرُ أهلِ العِلمِ يقولون: إنَّ الإيمانَ في اللغةِ: التصديقُ، ولكِنْ في هذا نَظرٌ؛ لأنَّ الكَلِمةَ إذا كانت بمعنى الكَلِمةِ فإنَّها تتعدَّى بتعَدِّيها، ومعلومٌ أنَّ التصديقَ يتعدَّى بنَفْسِه، والإيمانُ لا يتعدَّى بنَفْسِه؛ فنقول مثلًا: صَدَّقْتَه، ولا تقولُ: آمَنْتُه، بل تقولُ: آمَنْتُ به، أو آمَنْتُ له. فلا يمكِنُ أن نُفَسِّرَ فِعلًا لازمًا لا يتعدَّى إلَّا بحرفِ الجَرِّ بفِعلٍ متعَدٍّ ينصِبُ المفعولَ به بنَفْسِه، ثمَّ إنَّ كَلِمةَ «صَدَّقْتُ» لا تُعطي معنى كَلِمةُ «آمنتُ»؛ فإنَّ «آمنتُ» تدُلُّ على طُمأنينةِ بخَبَرِه أكثَرَ مِن «صَدَّقتُ»؛ ولهذا لو فُسِّرَ «الإيمانُ» بـ «الإقرار» لكان أجوَدَ؛ فنقولُ: الإيمانُ: الإقرارُ، ولا إقرارَ إلَّا بتصديقٍ، فتقولُ: أَقَرَّ به، كما تقول: آمَنَ به، وأقَرَّ له كما تقولُ: آمَنَ له" [شرح العقيدة الواسطية (2/229)]
أما الإيمانُ فِي الشَّرْعِ فهو: "التصديقُ الجازمُ، والإقرارُ الكامِلُ، والاعترافُ التَّامُّ بوجودِ اللهِ تعالى ورُبوبيَّتِه وألوهِيَّتِه وأسمائِه وصفاتِه، واستحقاقِه وَحْدَه العبادةَ دونَ ما سِواه، واطمئنانُ القَلبِ بذلك اطمئنانًا تُرى آثارُه في سلوكِ الإنسانِ، والتزامِه بأوامِرِ اللهِ تعالى، واجتنابِ نواهيه، مع إظهارِ الخُضوعِ والطُّمَأنينةِ، وبأنَّ محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رسولُ اللهِ، وخاتمُ النبيِّين، وقَبولِ جميعِ ما أخبر به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ربِّه سُبحانَه وعن دينِ الإسلامِ؛ من الأمورِ الغَيبيَّةِ، والأحكامِ الشَّرعيَّةِ، والانقيادِ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالطَّاعةِ المُطلَقةِ فيما أمَرَ به أو نهى عنه. ويجِبُ أن يَتبَعَ ذلك كُلَّه: قولُ اللِّسانِ، وعَمَلُ الجوارحِ والأركانِ، ولا يجزئُ واحدٌ من الثَّلاثِ (الاعتقادُ والقولُ والعَمَلُ) إلَّا بالآخَرِ". [الموسوعة العقدية، موقع الدرر السنية]
📈الإيمان: قول وعمل يزيد وينقص
يقول ابنُ كثير رحمه الله: «الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا. هكذا ذهب إليه أكثرُ الأئمة؛ بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، (وأبو عبيد)، وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص» [«تفسير ابن كثير (1/ 256)]
وجاء في تفسير "أضواء البيان" لآية سورة الفتح: ﴿لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَٰنًا مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ﴾: «والحقُّ الذي لا شكَّ فيه: أن الإِيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة والجماعة، وقد دلَّ عليه الوحيُ مِن الكتاب والسنة كما تقدم» [أضواء البيان للشنقيطي (7/ 640)]
💡الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه
أولا: من القرآن الكريم
وردت آياتٌ عديدة في كتاب الله تدلل على أن إيمان العبد يزيد وينقص، نلتقط منها اثنتين:
-
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِیَتۡ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِیمَـٰنࣰا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢].
قال الشِّنقيطيُّ: "في هذه الآيةِ الكريمةِ التَّصريحُ بزيادةِ الإيمانِ، وقد صَرَّح تعالى بذلك في مواضِعَ أُخَرَ،... وتدُلُّ هذه الآياتُ بدَلالةِ الالتزامِ على أنَّه يَنقُصُ أيضًا؛ لأنَّ كُلَّ ما يَزيدُ يَنقُصُ" [أضواء البيان (2/50)]
-
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَاۤ أُنزِلَتۡ سُورَةࣱ فَمِنۡهُم مَّن یَقُولُ أَیُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَـٰذِهِۦۤ إِیمَـٰنࣰاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فَزَادَتۡهُمۡ إِیمَـٰنࣰا وَهُمۡ یَسۡتَبۡشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ كَـٰفِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤- ١٢٥]
قال ابنُ كثيرٍ: "هذه الآيةُ مِن أكبَرِ الدَّلائِلِ على أنَّ الإيمانَ يزيدُ ويَنقُصُ، كما هو مذهَبُ أكثَرِ السَّلَفِ والخَلَفِ من أئمَّةِ العُلَماءِ، بل قد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحِدٍ" [تفسير ابن كثير (4/239)]
ثانيًا: من السنة النبوية
وردتِ العديدُ من الأحاديث النبوية الشريفة التي تصرح بأن الإيمان يزيد وينقص؛ منها:
-
حديثُ أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «ما رأيتُ مِن ناقِصاتِ عَقلٍ ودينٍ أذهَبَ للُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ من إحداكُنَّ، قُلْنَ: وما نُقصانُ دِينِنا وعَقْلِنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: أليس شهادةُ المرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بلى. قال: فذلك من نُقصانِ عَقْلِها. أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ قُلْنَ: بلى. قال: فذلك من نُقصانِ دِينِها» [متفق عليه]
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: "فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّقْصَ مِنَ الطَّاعَاتِ نَقْصٌ مِنَ الدِّينِ" [شرح السنة للبغوي (1/ 38 - 39)]
وقال البَغَويُّ: "وَقَالُوا: إِنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ، وَعَمَلٌ، وَعَقِيدَةٌ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي الزِّيَادَةِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِالنُّقْصَانِ فِي وَصْفِ النِّسَاءِ" [شرح السنة(1/ 39)]
-
حديثُ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لا يزني الزَّاني حينَ يَزْني وهو مؤمِنٌ، ولا يَسرِقُ السَّارِقُ حين يَسرِقُ وهو مؤمِنٌ، ولا يَشرَبُ الخَمْرَ حينَ يَشرَبُها وهو مؤمِنٌ، ولا ينهَبُ نُهبةً ذاتَ شَرَفٍ يرفَعُ النَّاسُ إليه فيها بأبصارِهم حينَ يَنتَهِبُها وهو مؤمِنٌ» [متفق عليه].
قال النوويُّ: "القَولُ الصَّحيحُ الذي قاله المحقِّقون: أنَّ معناه لا يفعَلُ هذه المعاصيَ وهو كامِلُ الإيمانِ، وهذا من الألفاظِ التي تُطلَقُ على نَفيِ الشَّيءِ ويُرادُ نَفيُ كَمالِه ومُختارِه، كما يُقالُ: لا عِلْمَ إلَّا ما نفع، ولا مالَ إلَّا الإبِلُ، ولا عَيْشَ إلَّا عَيشُ الآخِرةِ". وقال بَعْدَه: "مع إجماعِ أهلِ الحَقِّ على أنَّ الزَّانيَ والسَّارِقَ والقاتِلَ وغَيرَهم من أصحابِ الكبائِرِ غيرِ الشِّركِ: لا يَكفُرون بذلك، بل هم مُؤمِنونَ ناقِصو الإيمانِ"[شرح مسلم (2/41)].
ثالثا: من أقوال العلماء
جماهير العلماء على أن الإيمان يزيد وينقص، بل حكى بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ ومن هؤلاء:
- أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: يقول: "الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ يَزيدُ ويَنقُصُ ... وذكَرَ أمورًا ثم قال: هذا ما اجتمع عليه السَّلَفُ من العُلَماءِ في الآفاقِ" [مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: 222-224)]
- البُخاريُّ: يقول: "لقيتُ أكثَرَ من ألفِ رجُلٍ من العُلَماءِ بالأمصارِ، فما رأيت أحدًا يختَلِفُ في أنَّ الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، ويَزيدُ ويَنقُصُ" [فتح الباري (1/47)]
- أبو الحَسَنِ الأشعريُّ: يقول: "أجمعوا على أنَّ الإيمانَ يَزيدُ بالطَّاعةِ ويَنقُصُ بالمعصيةِ، وليس نقصانُه عندنا شَكًّا فيما أُمِرْنا بالتصديقِ به، ولا جَهلٌ به؛ لأنَّ ذلك كُفرٌ، وإنَّما هو نقصانٌ في مرتبةِ العِلمِ وزيادةِ البيانِ، كما يختَلِفُ وزنُ طاعتِنا وطاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنْ كُنَّا جميعًا مُؤَدِّين للواجِبِ علينا"[رسالة إلى أهل الثغر (ص: 155)]
- ابنُ بطَّالٍ: يقول: "مَذهَبُ جماعةِ أهلِ السُّنَّةِ مِن سَلَفِ الأمَّةِ وخَلَفِها أنَّ الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ"[شرح صحيح البخاري (1/ 56)]
- ابنُ عبدِ البَرِّ: يقول: "أجمَعَ أهلُ الفِقهِ والحديثِ على أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، ولا عَمَلَ إلَّا بنِيَّةٍ، والإيمانُ عندهم يَزيدُ بالطَّاعةِ ويَنقُصُ بالمعصيةِ" [التمهيد (9/238)]
- ابنُ تيميَّةَ: يقول: "أجمعَ السَّلَفُ أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ" [مجموع الفتاوى (7/672)].
- ابنُ القَيِّمِ: يقول: "فإنَّه بإجماعِ السَّلَفِ: يَزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ" [مدارج السالكين (1/422)].
كيف يزيد الإيمان وينقص؟
إذا استقر لدينا أن الإيمان يزيد وينقص، أو يتفاضل ويتفاوت؛ فكيف يكون ذلك؟!
عن عُمَيرِ بن ِحَبيبٍ الخَطميِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: "الإيمانُ يَزيدُ ويَنقُصُ، فقيل: وما زيادتُه ونُقصانُه؟ قال: إذا ذكَرْنا اللهَ عزَّ وجَلَّ وحَمِدْناه وسَبَّحْناه، فذلك زيادتُه، وإذا غفَلْنا وضَيَّعْنا ونَسِينا، فذلك نُقصانُه" [الشريعة للآجري (216)].
ففي تفسير عمير رضي الله عنه بيانٌ بأن الإيمان يزيد بالطاعات والقربات وينقص بالمعاصي والسيئات. فكل طاعةٍ يقوم بها المسلم يزداد بها إيمانًا، سواء كانت هذه الطاعات قلبية كالخوف والخشية، أو قوليةً كذكر الله وقراءة القرآن، أو فعليةً كالصلاة والصيام والحج. وفي المقابل فإنَّ كل معصية يقترفها المسلم تنقص من إيمانه؛ كشرب الخمر، والزنا، والعقوق، وشهادة الزور، والدعاوى الباطلة، والأيمان الكاذبة، وأشباه ذلك.
🔍ومن ثمرات الاعتقاد بأن الإيمان يتفاضل:
1. يحفز المؤمن على دوام الطاعة ليكون إيمانُه دومًا في زيادة.
2. يدفع إلى تجنب المعصية والذنوب خوفًا من نقصان إيمانه.
3. يعين على محاسبة النفس، ومراقبة القلب واللسان والجوارح.
4- تجنب الوقوع في البدعة؛ كما قال الأوزاعيُّ: "الإيمانُ قَولٌ وعَمَلٌ، يَزيدُ ويَنقُصُ، فمَن زَعَم أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ولا يَنقُصُ، فاحذروه؛ فإنَّه مُبتَدِعٌ" [الشريعة للآجري (245)]
فاللَّهُمَّ زِدْنا إيمانًا ويقينًا وفِقهًا .. اللَّهُمَّ حبِّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين …
📖 ما أكثر سبب شعرتَ أنه يزيد إيمانك؟ أخبرنا في التعليقات!
🌱لا تبخل على غيرك.. شارك الفائدة لعلّها توقظ قلبًا غافلًا!









