شهرُ شعبانَ محطةٌ إيمانيةٌ رفيعة، يتأهب فيها القلب قبل الجوارح لاستقبال موسم الطاعة الأعظم، شهر رمضان. وقد كثر سؤالُ الناس قديمًا وحديثًا عن حكم الصيام في النصف الثاني من شعبان؟!
فقد رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال:
«إذا انتَصفَ شعبانُ فلا تَصوموا»
وفي لفظٍ: «إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان»
والحديث أخرجه أحمد (9414)، وأبو داود (2337)، والترمذي (738)، وابن ماجه (1651)، وصحَّحه ابنُ حبان والحاكم وأبو عوانة والطحاوي، وابنُ حزم وابنُ عبد البر وابنُ عساكر، ومن المعاصرين: الألباني.
وبهذا الحديث يتمسَّك فريقانِ مِن العلماء:
-
مَن قال بعدم جواز الصيام بعد النصف من شعبان إلا لمن كان له عادة (كرجل اعتاد صوم يوم الاثنين والخميس، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً …)، أو وصله بما قبل النصف بصوم يوم أو يومين، وهذا مذهب الشافعية.
-
مَن قال بكراهية الصيام بعد النصف من شعبان، وهو مذهب الحنابلة.
أما جمهور العلماء من الحنفية والمالكية فذهبوا إلى جواز الصيام بعد النصف من شعبان دون كراهة، مستندين في ذلك إلى تضعيف حديث أبي هريرة السابق، أو قالوا بأن الحديث محمول على مَن يُضعفه الصوم!
قال ابنُ رجبٍ الحنبلي -بعد أن أورد أسماء جماعة ممن صححوا حديث أبي هريرة-: "وتَكَلَّمَ فيهِ مَن هوَ أكبرُ مِن هؤلاءِ وأعلمُ وقالوا: هوَ حديثٌ منكرٌ، منهُم عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مَهْدِيٍّ والإمامُ أحْمَدُ وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ والأثْرَمُ.
وقالَ أحْمَدُ: لمْ يَرْوِ العلاءُ حديثًا أنكرَ منهُ. ورَدَّهُ بحديثِ "لا تَقَدَّموا رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومينِ"؛ فإنَّ مفهومَهُ جوازُ التَّقدُّمِ بأكثرَ مِن يومينِ.
وقالَ الأثْرَمُ: الأحاديثُ كلُّها تُخالِفُهُ. يُشيرُ إلى أحاديثِ صيامِ النَّبيِّ ﷺ شعبانَ كلَّهُ ووصلِهِ برمضانَ ونهيهِ عن التَّقدُّمِ على رمضانَ بيومينِ، فصارَ الحديثُ حينئذٍ شاذًّا مخالفًا للأحاديثِ الصَّحيحةِ.
وقالَ الطَّحاوِيُّ: هوَ منسوخٌ. وحَكى الإجماعَ على تركِ العملِ بهِ. وأكثرُ العلماءِ على أنَّهُ لا يُعْمَلُ بهِ". [لطائف المعارف]
وخلاصة القول: أن حديث أبي هريرة -على الراجح- ضعيفٌ، وعليه فإنه يجوز الصومُ تطوعًا في النصف الثاني من شعبان بلا كراهةٍ، لكن لينتبه لحديث النبي ﷺ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بصَوْمِ يَومٍ أوْ يَومَيْنِ، إلَّا أنْ يَكونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذلكَ اليَومَ» [متفق عليه]
أخبرنا في التعليقات: هل نويت الصيام في النصف الثاني من شعبان؟









