يقول أبو إبراهيم إسماعيلُ بن يحيى المزني (أحد أبرز تلاميذ الإمام الشافعي):
دخلتُ على الشافعي عند وفاته فقلت له: كيف أصبحتَ يا أستاذ؟
فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلاً، ولإخواني مُفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، وعلى الله واردًا، ولسُوء أعمالي مُلاقيًا؛ فلا أدري نفسي إلى الجنة تصيرُ فأهنيها أم إلى النار فأعزيها؟
فقلتُ: عِظْني!
فقال لي: اتقِ اللهَ ومَثِّل الآخرةَ في قلبك، واجعل الموتَ نُصبَ عينيك، ولا تنسَ موقفَك بين يدي الله، وخَفْ من الله عز وجل، واجتنبْ محارمه، وأدِّ فرائضَه، وكن مع الله حيث كنتَ، ولا تستصغرنَّ نعم الله عليك وإن قلَّتْ وقابلهم بالشكر، وليكن صمتُك تفكرًا وكلامُك ذكرا، ونظرُك عِبرةً، اعْفُ عن مَن ظلمك، وصِلْ مَن قطعك، وأحسن إلى مَن أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعِذْ بالله من النار بالتقوى.
فقلتُ: زدْني!
فقال: ليكنِ الصدقُ لسانَك، والوفاءُ عمادَك، والرحمةُ ثمرتَك، والشكرُ طهارتَك، والحقُّ تِجارتَك، والتودُّدُ زينتَك، والكياسةُ فطنتَك، والطاعةُ معيشتَك، والرضا أمانتَك، والفهمُ بصيرتَك، والرجاءُ اصطبارَك، والخوفُ جلبابَك، والصدقةُ حِرزَك، والزكاةُ حصنَك، والحياءُ أميرَك، والحلمُ وزيرَك، والتوكلُ درعَك، والدنيا سجَنك، والفقرُ ضجيعَك، والحقُّ قائدَك، والحجُّ والجهادُ بغيتَك، والقرآنُ محدثَك بحجتك، والله مُؤنسَك؛ فمَن كانت هذه صفته كانت الجنةُ منزلته.
ثم رمى بطرَفِه نحو السماء ثم استعبر وأنشأ يقول:
إليك إلهَ الخلق أرفعُ رغبتي * وإن كنتُ يا ذا المَنِّ والجود مجرما
فلما قسا قلبي وضاقتْ مذاهبي * جعلتُ الرجا مني لعفوك سُلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنتُه * بعفوك ربي كان عفوُك أعظما
وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو مِنةً وتكرُّما
فلولاك لم يقْوَ بإبليس عابدٌ * فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما
فإن تعفُ عني تعفُ عن مُتمرِّدٍ * ظلومٍ غشومٍ ما يُزَايِلُ مأثما
وإن تنتقم مني فلستُ بآيسٍ * ولو أدخلتَ نفسي بجرمي جَهنَّما
فجرمي عظيمٌ من قديم وحادث * وعفوُك يا ذا العفو أعلى وأجْسَما
إذا كان هذا حال الشافعيّ عند موته وهو مَن هو علمًا وعملاً ومكانةً وفضلاً.. فماذا نقول نحن؟!
اللهم لُطفك بنا، وعفوك الذي هو أعظم من ذنوبنا
🚨أخبرنا في التعليقات:
أيُّ وصية من وصايا الشافعي لامسَتْ قلبك أكثر، وأدركت أنك بحاجة للعمل بها؟
________________________
* مصدر الوصية: «تاريخ دمشق لابن عساكر» (51/ 430، 431)









