‌عَبْدُ ‌اللهِ ‌بنُ ‌عَمْرو .. العابدُ البكَّاء!

‌عَبْدُ ‌اللهِ ‌بنُ ‌عَمْرو .. العابدُ البكَّاء!
2025/03/12

هو صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَابْنُ صَاحِبِهِ، إِمَامٌ، عالِمٌ، عَابِدٌ، فقيهٌ، معروفٌ بكثرة حديثه وشدة ورعه وزهادته، فضلاً عن اجتهاده الشديد في أنواع العبادات، خاصة في الصيام وقيام الليل وقراءة القرآن. قال عنه الذهبيُّ: "وَلَهُ: مَنَاقِبُ، وَفَضَائِلُ، وَمَقَامٌ رَاسِخٌ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْماً جَمّاً"[سير أعلام النبلاء (3/ 80)].

وكان عبد الله مُكثرًا من رواية الحديث عن رسول الله ﷺ، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: "ما مِن أصْحَابِ النبيِّ صﷺ أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عنْه مِنِّي، إلَّا ما كانَ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو؛ فإنَّه كانَ يَكْتُبُ ولَا أكْتُبُ" [البخاري (113)].

المشهد الأبرز في سيرة عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنهما هو اشتغاله بالعبادة واجتهاده فيها، بما يميزه عن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكأنَّه رضي الله عنه حين قال له رَسولُ اللَّهِ ﷺ، ناصحًا: "يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ!"[البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩)]، امتثل نصيحةَ رسول الله ﷺ، كأحسن ما يكون الامتثال؛ فوجدناه مجتهدًا في العبادة غاية الاجتهاد، حتى كان ذلك شاغلاً له عن زوجه التي هو حديثُ عهدٍ بها، وهو أمرٌ على خلاف ما يكون عليه الشبابُ عادةً.

وكان من أمر زواجه ما حكاه عبد الله بن عمروٍ بنفسه؛ حين زوَّجه أبوه بامْرَأَةٍ قرشية ذاتِ حَسَبٍ، وكان والده يتفقد حالها، فيسألها عن زوجها؛ فقالت: "نِعْمَ الرَّجُلُ مِن رَجُلٍ؛ لَمْ يَطَأْ لَنا فِراشًا، ولَمْ يُفَتِّشْ لَنا كَنَفًا مُنْذُ أتَيْناهُ"؛ تريد أن تقول: إنه رجل صالح، لكنه لم يقترب منها منذ أن تزوجها؛ فشكاه والدُه إلى النبي ﷺ؛ فاستدعاه النبي ﷺ وكان بينهما هذا الحوار:

- سأله النبيُّ ﷺ: "كيف تصوم؟"؛ فأجاب: "أصوم كلَّ يوم"!
- وسأله: "وكيف تختم القرآن؟"؛ فأجاب: "أختمه كلَّ ليلة"

- فقال له النبي ﷺ: "صم ثلاثة أيام من كل شهر، واقرأ القرآن في شهر".
قال عبد الله: "أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ"
- فقال النبي ﷺ: "صم ثلاثة أيام في الأسبوع"
قال: "أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ".
- قال النبي ﷺ: "صُم يومًا وأفطر يومين"
قال: "أُطِيقُ أكْثَرَ مِن ذلكَ"
- فقال له النبيُّ ﷺ: "إذن، صُم أفضل الصيام، صيام داوُد عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، واقرأ القرآن في سبعِ ليالٍ". وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ نازله في قراءة القرآن إلى ثلاث ليالٍ، وقال: "مَنْ قَرَأَهُ فِيمَا دُونَ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْهَمْهُ".

وبعد مرور الزمن، كبر عبد الله وضعف جسدُه، وكان يتمنى لو أنه أخذ برخصة النبي ﷺ. فصار يقرأ القرآن على بعض أهله خلال النهار ليسهل عليه الأمر ليلًا، وكان إذا أحسَّ بالتعب من الصيام، أفطر عدة أيام متتابعة يتقوى بها، ثم يصوم عدد الأيام نفسه تتابعًا، وذلك مخافة أن يترك شيئا ألزم نفسَه به أمام رسول الله ﷺ، وكان يقول: "لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الرُّخْصَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَدَلَ بِهِ، لَكِنّني فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ ‌أَكْرَهُ ‌أَنْ ‌أُخَالِفَهُ ‌إِلَى ‌غَيْرِهِ".[«فتح الباري» (4/ 220)، وأصل الحديث عند [البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩)].

وكان رحمه الله كثيرَ البكاء من خشية الله، فقد رُوي عن يعلى ابن عطاء عن أمه: أنها كانت تصنع لعبد الله بن عمرو الكحل وكان يكثر من البكاء، قال: ويغلق عليه بابه ويبكي حتى ‌رمِصَتْ ‌عيناه. قال: وكانت أمى تصنع له الكحل.[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 290)]

لقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما نموذجًا فريدًا في العبادة والعلم، وحالُه مع قيام الليل وقراءة القرآن حال عجيبة، فما أجمل أن نتأسَّى به رضي الله عنه، خاصةً ونحن في شهرنا الفضيل هذا: شهر الصيام والقيام، ودونكم مصحف المدينة خيرُ رفيق لكم فكثروا ختماتكم وأطيلوا قيامكم وتهجدكم .. تقبل الله منا ومنكم صالح العمل.

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة