يبرز الإعجاز التربوي في آيات الصيام من خلال توجيه النفس البشرية نحو التقوى والانضباط الذاتي، وهو ما يتجلى في الأحكام والتوجيهات الإلهية الواردة في القرآن. في هذة الفائدة، سنتناول هذا الإعجاز من خلال تفسير آيات الصيام، مستكشفين أثرها في تهذيب السلوك وتقوية الإرادة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)
هنا يمكن النَّظر في حِكمة الله -سبحانه وتعالى- في تنويعِ العبادات؛ فمِنها ما هو ماليٌّ محضٌ: كالزَّكاة، ومنها ما هو بدنيٌّ محضٌ؛ كالصَّلاة، ومنها ما هو مركَّبٌ منهما: بدَنيٌّ، وماليٌّ: كالحجِّ، ومنها ما هو مِن قَبيل التُّروك: كالصِّيام؛ وذلك ليتمَّ اختبارُ المكلَّف؛ لأنَّ مِن النَّاس مَن يَهُون عليه العملُ البدنيُّ دون الماليِّ، ومنهم مَن يكونُ بعكسِ ذلك، وهكذا.[تفسير ابن عُثيمين]
وفي الصيام تهذيب النفس من خلال قضية الترك، فيترك الإنسان المُباح، وكما أنه قادرٌ على ترك المباح هو كذلك قادرٌ على ترك الحرام. وهذا التنوع يُعطي مجالًا أكبر في التأثُّر والتأثير، فنحتاج إلى أن نُغير في أساليب التربية، وفي أساليب الدعوة إلى الله، وفي أساليب التواصل مع الناس، وفي أساليب التأثير، وفي أساليب التعليم، إلى غير ذلك من أساليب الإقناع، نحتاج إلى هذا التنوع، فالنفوس البشرية تنجذب لمثل هذا التنوع.[التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)
أي: فُرِضَت عليكم عِبادةُ الصِّيام كَما فُرِضت أيضًا على الأُممِ السَّابِقة. [تفسير ابن كثير] وفيها تَسليةُ المكلِّف لِمَن كلَّفه بعمل؛ ليهُون عليه القيامُ به، ومن ذلك: الإشارةُ إلى تكليفِ غيرِه به.[ تفسير ابن عُثيمين]
وذكر العلماء هذه اللفتة الرائعة جدًّا: نظرًا لمشقة الصيام مُقارنةً بالصلاة كانت الحاجة إلى التسلية وتخفيف وطأة المشقة التي تحصل عند الإنسان في الصيام، تحصل هذه المشقة من حيث ترك ما تُحبّه النفس في نهار رمضان؛ فأنت لست وحيدًا، ولستم أنتم الذين فُرِضَ عليكم الصيام، قد فُرِضَ على مَن قبلكم، وفي هذا تسليةٌ لهذه الأنفس حتى تستطيع أن تُحقِّق المراد من قضية الصيام. [التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
أي: من أجل الوصولِ بصِيامِكم إلى مَرتبةِ التَّقوى. [تفسير ابن عطية] فيَنبغي سلوكُ الأسبابِ الموصِّلة إلى تحقيقِ التَّقوى؛ لأنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- أوجَب الصِّيامَ لهذه الغايةِ. [تفسير ابن عُثيمين] وهذا هو أعظم مجالٍ للتربية الإيمانية، والتربية على التقوى، والتربية على العبودية بمفهوم العبودية الشامل[التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
وللتقوى آثار تربوية عظيمة، فهي تربي الإنسان على حب الله وطاعته، وتكسبه حياة طيبة في الدنيا والأخرة، وتجعل من الإنسان النموذج الصالح الذي يلتزم بما أمر الله به وعما نهى عنه المولى سبحانه وتعالى.[المضامين التربوية المستنبطة من آيات الصيام من سورة البقرة- عهود الحازمي]
(أَيَّامًا مَعْدُودُاتٍ)
أي: إنَّ هذا الصِّيامَ مفروضٌ عليكم في أيَّامٍ قليلةٍ، مَحصيَّة ساعاتُها، وهي أيَّامُ شهرِ رَمضانَ. [تفسير ابن جرير] والتعبيرُ بكلماتٍ يكونُ بها تهوينُ الأمرِ على المكلَّف. [تفسير ابن عُثيمين] فالقضية كلها أيام، فما أن يدخل الشهر إلا ونُبارك، ثم نقول: قد مضى منه ما مضى، ثم نُودّعه، وهكذا في كل سنةٍ، هذا كله أيضًا تخفيفٌ، فالأمر معدودٌ. ونحن نحتاج في تربيتنا لأبنائنا لهذا، نحتاج إلى هذا الجانب الذي يُخفف على النفس المُتلقية من توجيهاتٍ ومجالاتٍ تربويةٍ مختلفةٍ. [التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
أي: مَن كان مِن المؤمنين في حالِ مرضٍ أو سَفَر، فأفطَر، فعليه أنْ يَقضيَ صيامَ الأيَّام الَّتي أفطَرها في أيَّامٍ أخرى[تفسير ابن كثير]
فهذه الآية تدل على التخفيف وعلى التسلية، ومن ثم علينا البحث عن الأيسر في المجال التربوي؛ لأن النفس البشرية -أيًّا كانت هذه النفس- تُحب مَن يتعامل معها بمثل هذا الاتجاه، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ كما ذكر أهل الاختصاص في الجانب النفسي والتربوي. [التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
هذا الحُكمُ المذكور في الآية منسوخٌ؛ إذ لَمَّا فرَض الله –تعالى- الصَّومَ في صدْر الإِسلام، كان المسلِمُ يُخيَّر بين الصَّوم وإطعامِ مسكينٍ عن كلِّ يوم أفْطَره، فإنِ اختار الصيامَ كان خيرًا له، ثمَّ نَسَخ اللهُ -عزَّ وجلَّ- هذا التخييرَ في حقِّ القادِر على الصيام، فأوجب عليه الصومَ، وبقِي الفطرُ والإِطعامُ للعاجز عنه.[تفسير ابن أبي حاتم]
فهذه أيضًا لفتةٌ تُبين كيف أن الشرع حكيمٌ، والشارع رحيمٌ بنا، ويُمكن أن نستفيد من هذا في طريقة تعاملنا عمومًا في جوانب الحياة مع النفوس البشرية في التدرج معها،...، فنحن عندما نتعامل من أجل التأثير لا ننسى موضوع التدرج شيئًا فشيئًا؛ حتى نستطيع أن نصل إلى الهدف الأسمى، فيُمكن للإنسان أن يبدأ بأسلوبٍ معينٍ: كالأسلوب غير المباشر بعلاقةٍ حميميةٍ إيجابيةٍ مع الشخص الذي يُريد أن يُؤثر فيه، ثم بعد ذلك يكون الجانب الآخر المُتعلِّق بقضية التشويق والترغيب، وهكذا الثالثة والرابعة، فكل الإجراءات هدفها في النهاية أن يكون الإنسان مُعبَّدًا لله على مُراد الشرع؛ عندئذٍ يلتزم الأوامِر كما حصل في التدرج في التشريع إلى أن أصبح الصيام واجبًا [التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ)
أي: أُبِيح لكم في ليالي الصِّيام الإفضاءُ إلى نسائِكم، أي: مجامعتُهنَّ [تفسير ابن جرير] فإنه سبحانه عَلِم أنَّكم كنتم- أيُّها المؤمنون- تخُونون أنفسَكم بمعصيةِ الله سبحانه، فلا تَفُون بأمرِ الله تعالى لكم بالامتناعِ عن الجِماعِ لياليَ الصِّيام، إلَّا أنَّه قد تاب عليكم بأنْ أحلَّ لكم هذا الَّذي حرَّم عليكم من قبلُ، وتجاوَز عنكم ما سلَف من التخوُّنِ. [تفسير السعدي]
فهنا ذكر العلماء لفتةً جميلةً نحتاجها في جانب التربية الحقيقية، وهي: كما أن الإنسان يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك حينما يفتح على نفسه أبوابًا لا يرضاها الله -تعالى-، فيقع في المعاصي في مثل هذا الشهر العظيم، وفي مثل هذه الحالة العظيمة المُتعلقة بقضية الصيام. ولذلك فالإنسان يضبط نفسه، فلا يقع في الحرام من الحلال الذي أحلَّه الله في غير رمضان، فيقع فيه في نهار رمضان، فمن باب أولى أن يضبط الإنسان نفسه؛ فلا يقع فيما حرَّمه الله من المعاصي التي هي حرامٌ في رمضان وفي غير رمضان، وهذه تقوية الإرادة، وهذا درسٌ آخر مُرتبطٌ بقضية التربية على تقوية الإرادة.[التربية في آيات الصيام-د.خالد السعدي]
(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)
وهكذا يتربى المسلم على كمال العبودية لله، فإذا أمره رب–عز وجل-بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية ليست مجرد أذواق، وإنما هي طاعة لله تعالى وتنفيذ أمره.[ المضامين التربوية المستنبطة من آيات الصيام من سورة البقرة- عهود الحازمي]. وهذا هو تمام الطاعة وغاية الالتزام بالأحكام الشرعية في العلاقة بين الرجال والنساء هو الحرز من الزنى، ولكن التزام الأحكام الشرعية في العلاقة الزوجية وفقاً لمقتضيات التعبد والاعتكاف في رمضان هو الصورة النهائية لهذا الالتزام.









