تتغير في شهر رمضان الكثيرُ من عادات المسلم، بما يتناسب مع طبيعة الصيام، ومن أهمِّ هذه العادات الأمورُ المتعلِّقة بطعامه وشرابه، فبعد أن كان متاحًا له الأكل والشرب في أي وقتٍ شاءَ، بات عليه لزامًا الإمساكُ عن الطعام والشراب مِن وقت طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. وهذا الإمساك أدى بالتبع إلى تنظيم وقت طعامه؛ فأصبح له وجبتانِ رئيستانِ يتكرّران كلَّ ليلةٍ في رمضان، وهما: الإفطار والسُّحُور، ولكلٍّ منهما آداب وأحكام ينبغى أن تُراعى للإتيان بهما عل الوجه الذي يحفظ عليه صحته ويضاعف له أجره.
ومن هذه الآداب والأحكام:
أولاً: الفِطْر أو الإفطار
1- تعجيل الفطر
فيُسنُّ للصائم تعجيلُ الفطر متى تحقّق غروب الشمس؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: (لا يَزَالُ النَّاسُ بخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ) [البخاري: 1957، ومسلم: 1098]. وفي الحديث إشارةٌ إلى أنّهم إِذا أخّروا الفِطر؛ وقعوا في الشّر.
ومن هديه ﷺ أن يفطر على شيء قبل أن يصليَ فريضة المغرب؛ كما صحَّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيتُ رسولَ اللهِ قَطُّ صلَّى صَلاةَ المغرِبِ حتَّى يُفطِرَ ، ولَو علَى شَربةٍ مِن ماءٍ" [صحيح الترغيب (1076)].
وفي تعجيل الفطر مخالفةٌ لأهل الكتاب، وأن مخالفتهم من أسباب ظهور الإسلام، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ، قال: "لا يزال الدينُ ظاهراً، ما عجّل النّاسُ الفطر؛ لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون". [صحيح سنن أبي داود (2063)].
2- الفطر على رُطب أو تمر:
فعن أنسٍ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ "كان يُفطرُ على رُطباتٍ قبل أن يُصلِّي، فإن لم يكن رُطباتٍ فعلى تمراتٍ، فإن لم يكن حَسَا حسواتٍ من ماءٍ". [السلسلة الصحيحة (2840)].
وقد يحدث أن يكون الصائم في بعض المواقف التي لا يجد فيها شيئًا يُفطر عليه -كأن يكون على طريق سفر مثلاً- فيكفيه حينئذٍ أن ينوي الفطر بقلبه [«الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة» (1/ 159)]
3- الدعاء عند الفطر بهذا الدعاء:
عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ، وابتلَّتِ العروقُ، وثبت الأجرُ إن شاء الله» [أخرجه أبو داود (2357)، وحسَّنه الألباني في "الإِرواء" (920)].
4- إذا أفطر عند غيره دعا لمضيفه:
فعن أنسٍ رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان إذا أفطرَ عندَ قومٍ قالَ : "أفطرَ عندَكم الصائمونَ، وأكل طعامَكم الأبرارُ، و تَنزَّلتْ عليكم الملائكةُ". [صحيح الجامع (4677)]. وهذا مما يزيد التآلف والمحبة بين المسلمين.
5- سائر آداب الطعام
ثم إن الإفطار في رمضان ينسحب عليه سائر الآداب التي يُستحب الإتيان بها عند تناول الطعام بشكل عام، ونلخصها فيما يلي:
-
التسمية قبل الأكل: يُسن قول "بسم الله"، وإن نسي في البداية، قال "بسم الله أوله وآخره".
-
الأكل باليمين: اقتداءً بالنبي ﷺ.
-
الأكل مما يليه: لضبط السلوك واحترام الآخرين.
-
الأكل من جوانب الطبق: لأن البركة تنزل في وسط الطعام.
-
عدم الأكل متكئًا: لما فيه من الترف الزائد.
-
عدم عيب الطعام: فإن اشتهى أكله، وإلا تركه دون ذمٍّ.
-
الاعتدال في الأكل: ثُلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفَس.
-
تجنُّب النفخ في الطعام: لما فيه من عدم النظافة.
-
التقاط اللقمة الساقطة بعد تنظيفها: ولا يدعها للشيطان.
-
عدم القِران بين التمرتين إلا بإذن الجليس: حرصًا على العدل في المشاركة.
-
حمد الله بعد الطعام: شكرًا على النعمة، وهو سبب لنيل رضا الله.
ولعل أهم هذه الآداب مما ينبغى أن يراعى في إفطار رمضان هو الاعتدال في الطعام، حتى لا يكسل عن الطاعات في الليل، خاصة صلاة العشاء والتراويح.
ثانيًا: السُّحور
السَّحُورُ -بفتح السين-: طَعَامُ السَّحَرِ وَشَرَابُهُ، وبالضم: أكل هذا الطعام. قَال ابْنُ الأثيرِ: هُوَ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَقْتَ السَّحَرِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْل نَفْسُهُ. وَالسَّحَرُ: آخِرُ اللَّيْل قُبَيْل الصُّبْحِ، وَقِيل: هُوَ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْل الآْخَرِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
ومن أهم آداب السحور وفضائله:
1- السُّحُورُ سُنَّةٌ لِلصَّائِمِ
فيتناول مَن يريد الصيام هذه الوجبةَ باعتبار أنها من سنة النبي ﷺ فيؤجر على الاتباع إن شاء الله. وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ وابن قدامة والنووي الإِْجْمَاعَ عَلَى أن السُّحور مَنْدُوبٌ إليه ومستحبٌّ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً" [متفق عليه].
2- تأخير السُّحور
يُسنُّ للصائم تأخيرُ السحور ما لم يخشَ طلوع الفجر؛ لحَدِيثِ أنسٍ رضي الله عنه أن زيدَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه حدَّثه "أنهم تسحروا مع النبي ﷺ ثم قاموا إلى الصلاة، قلتُ -أي أنس-: كم بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية". [متفق عليه].
قال ابنُ حجر: "في قوله: قدر خمسين آية؛ أي: متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة ولا سريعة ولا بطيئة" [فتح الباري (1/ 367)].
ومما يشير إلى المبالغة في تأخير السحور، ما رواه خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ خُبَيْبٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا". قَالَتْ: وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَيَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ سُحُورِهَا، فَتَقُولُ لِبِلَالٍ: "أَمْهِلْ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ سُحُورِي". وفي رواية: وَكَانَ يَصْعَدُ هَذَا، وَيَنْزِلُ هَذَا، فَنَتَعَلَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ: "كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ".[أخرجه بهذا اللفظ النسائي وأحمد وابن حبان، وإسناده صحيح]
3- بم يتحقق السحور؟
يتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"السحورُ كلُّه بركة، فلا تَدَعوه، ولو أنْ يجرعَ أحدكم جرعةً من ماء، فإنَّ الله عز وجل وملائكتَه يصلون على المتسحرين". [«صحيح الترغيب والترهيب» (1070)].
وقال ابن حجر: «يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ» [فتح الباري (4/ 140)].
4- في السُّحور مخالفة لأهل الكتاب:
يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «فَصْلُ ما بيْن صِيامِنا وصِيامِ أهلِ الكِتابِ أكْلةُ السَّحَرِ» [صحيح مسلم (1096)]. قال الإمام النووي: «مَعْنَاهُ الْفَارِقُ وَالْمُمَيِّزُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِهِمُ السُّحُورُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَسَحَّرُونَ وَنَحْنُ يُسْتَحَبُّ لَنَا السُّحُورُ» [شرح النووي على مسلم (7/ 207)].
5- السُّحور بركة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تسحَّروا، فإن في السحور بركة» [متفق عليه].
قال ابنُ حجر في تبيين معنى البركة هنا: «الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ". [فتح الباري (4/ 140)].
6- التمرُ في السُّحور
يُسنُّ أن يجعل الصائمُ في سحوره تمرًا؛ لما صحَّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "نِعمَ سَحورُ المؤمنِ التَّمرُ" [صحيح أبي داود (2345)].
7- الغَداء المبارك
وصف النبيُّ ﷺ أكلة السحر بأنها "الغداء المبارك"؛ فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: دعاني رسولُ اللهِ ﷺ إلى السحور في رمضانَ فقال: "هَلُمَّ إلى الغَداءِ المباركِ". [«صحيح الترغيب والترهيب» (1067)].
وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: دخلتُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر، فقال:
"إنَّها بركةٌ أعطاكم الله إياها، فلا تدَعوه". [«صحيح الترغيب والترهيب» (1069)].
8- فضل كبير
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» [«صحيح الترغيب والترهيب» (1066)]. وَصَلَاة الله عَلَيْهِم رَحمته إيَّاهُم، وَصَلَاة الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار [التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 69)].
هذه جملةٌ مِن أبرز آداب الفِطر والسُّحور وأحكامهما وشيء من فضائلهما، نسأل الله أن يرزقنا اتباع هدي نبيه ﷺ في كل خطوة من حياتنا، وأن يجعلنا ثابتين على سنته، متمسكين بها في كل حال وزمان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.









