في عالمٍ تتداخل فيه المفاهيم وتختلط فيه الأصوات، يحتاج الإنسان إلى معيارٍ واضحٍ يميّز به بين الحق والباطل.
ومن هنا جاءت سورة البينة؛ لتعلن أن الحجة إذا قامت، زال العذر.
سُمِّيت السورة بأسماء متعددة: “البينة”، و“لم يكن”، و“المنفكين”، و“البرية”.
وكل اسم يعكس جانبًا من مضمونها. فـ“البينة” هي الحجة الظاهرة التي يتضح بها الحق، وأصلها من البيان؛ أي الظهور والوضوح.
وتبدأ السورة ببيان حال الذين لم ينفكوا عن كفرهم حتى جاءتهم الحجة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾.
رجّح عدد من العلماء مدنيتها، ومنهم الآلوسي، وذكرها السيوطي ضمن السور المدنية، وهذا يتناسب مع حديثها عن أهل الكتاب وتفرقهم بعد وضوح الحق.
فالسورة لا تتناول جهلًا غامضًا، بل تعالج موقفًا بعد اكتمال البيان.
وتدور موضوعاتها حول توبيخ أهل الكتاب والمشركين على إصرارهم على الضلال، والتعجب من تناقضهم؛ إذ لم يكن كفرهم عن غياب دليل، بل عن جحودٍ وعنادٍ وحسدٍ للرسول ﷺ.
ثم تسجّل السورة حكمًا فاصلاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا… أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، في مقابل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ… أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
معيار التفاضل هنا واضح: إيمانٌ يصدّقه العمل، وعملٌ ينبع من إخلاص.
ومن فضائلها أنها من سور المفصل التي فُضِّل بها النبي ﷺ.
وقد خَصَّهَا اللهُ تَعَالَى بِأَحَدِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم،حيث قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ لِأبُيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾»، قَالَ: وَسَمَّانِي! قَالَ: «نَعَم»، فَبَكَى.
بكى لأن اسمه ذُكر في السماء، فكيف حالنا نحن مع القرآن اليوم ؟
وختامًا:
إن المقصد الرئيس للسورة بيان كمال الرسالة المحمدية ووضوحها؛وسورة البينة لا تتركنا في منطقة رمادية؛ فبعد وضوح الرسالة لا يبقى إلا اختيار واحد.
لا تنس الإنضمام لقناة واتساب الخاصة بتطبيق مصحف المدينة عبر هذا الرابط









