تُعدّ سورة العاديات من السور القصيرة في المبنى العميقة في المعنى، إذ تجمع في إحدى عشرة آية بين مشهدٍ حركيٍّ مهيب، وتحليلٍ دقيق لطبيعة النفس الإنسانية، ثم تختم بتذكيرٍ حاسم بيوم الحساب. وهي سورة مكية عند جمهور المفسرين، وتتميّز بإيقاعها السريع وصورها القوية التي تستثير القلب والعقل معًا.
سُمّيت السورة بـ العاديات لافتتاحها بالقسم بالخيل التي تعدو في سبيل الله. والعاديات جمع عادية، وهي اسم فاعل من العدو، أي الجري السريع.
وقد صوّر القرآن في مطلع السورة مشهدًا حيًّا للخيل وهي تنطلق في ساحة القتال، فقال تعالى:
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا • فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا • فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾.
يذكر المفسرون أن الضبح هو صوت أنفاس الخيل إذا اشتد عدوها، وأن الموريات قدحًا هي التي تضرب بحوافرها الحجارة فتقدح الشرر، أما المغيرات صبحًا فهي الخيل التي تهجم على العدو في وقت الصباح. وبهذه الصور المتتابعة يرسم القرآن مشهد الحركة والغبار والصوت، حتى كأن القارئ يرى الخيل وهي تثير النقع وتتوسط جموع الأعداء.
غير أن السورة لا تقف عند هذا المشهد، بل تنتقل منه إلى القضية الأساسية التي تريد ترسيخها، وهي طبيعة الإنسان إذا غلبت عليه شهوات الدنيا.
يقول تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾.
والكنود هو الجحود لنعم الله، وقيل: هو الذي يذكر المصائب وينسى النعم.
فالإنسان قد يغرق في حب المال ومنافع الدنيا حتى ينسى فضل الله عليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي شديد التعلق بالمال.
ثم تختم السورة بتوجيه النظر إلى الحقيقة الكبرى التي تغيب عن كثير من الناس، وهي يوم القيامة، حيث تُبعثر القبور وتُكشف أسرار الصدور، قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ • وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾.
وهنا يتجلّى مقصد السورة: تحذير الإنسان من الجحود والطمع، وتذكيره بأن الله مطلع على السرائر وسيحاسب الخلق على أعمالهم.
وبذلك تجمع السورة بين تمجيد الجهاد وما فيه من بذل وتضحية، وبين نقد النفس الإنسانية حين تستسلم لحب الدنيا، لتوقظ القلب إلى العمل الصالح والاستعداد ليوم الحساب.
ختامًا:
تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾.
برأيك: ما أكثر صورة من صور جحود النعم التي نراها اليوم في حياتنا اليومية؟ اكتب مثالًا واحدًا وتأمل كيف يمكن تحويله إلى شكر لله.
انضم الآن لقناة واتساب تطبيق مصحف المدينة عبر هذا الرابط









