قدَّم القرآن نموذجًا خالدًا في بيان خطر التعصب الأعمى، فقال سبحانه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
ففي صلح الحديبية امتلأت قلوب المشركين بالأنفة والكِبر والعصبية، فمنعتهم حمية الجاهلية من قبول الحق، وحملتهم على رفض ما يعلمون صدقه، فلم تكن مواقفهم قائمة على دليل أو عدل، وإنما على الكبر والعناد والانتصار للهوى. ولذلك وصفها الله بأنها ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ أي الحمية التي تنشأ من الجهل، وتدفع صاحبها إلى رد الحق، ومجاوزة العدل، والانتصار للباطل لمجرد التعصب.
قال أهل التفسير: هي الأنفة والغضب والتكبر الذي يستقر في القلب حتى يمنع صاحبه من الإنصاف، ولذلك أضافها الله تعالى إلى الجاهلية تحقيرًا لها وذمًا، كما قال سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
وفي مقابل ذلك، أنزل الله على رسوله ﷺ وأصحابه السكينة، فواجهوا الاستفزاز بالحلم، والعناد بالصبر، والغضب بالتقوى، فكان الفرق واضحًا بين قلب تحركه العصبية، وقلب تحكمه التقوى.
قال ابن القيم: "لما كانت حمية الجاهلية توجب من الأقوال والأعمال ما يناسبها، جعل الله في قلوب أوليائه السكينة تقابل حمية الجاهلية، وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الغضب والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه".
وهذا المعنى لا يقتصر على أحداث التاريخ، بل يتكرر في صور كثيرة من واقعنا المعاصر، ومن أوضحها التعصب الرياضي، فالأصل في الرياضة أنها ميدان للتنافس الشريف، وتقوية الأبدان، لكنها تتحول عند بعض الشباب المتعصبين إلى حمية جاهلية، حين يتحول النادي الذي يشجعه إلى معيار للحب والبغض، والموالاة والمعاداة، فيُقدَّم الانتماء الرياضي على روابط الدين والأخوة.
وقد يصل الأمر إلى أن تنقسم الأسرة الواحدة، أو يتخاصم الأصدقاء والأقارب، لمجرد اختلافهم في تشجيع فريقين مختلفين، وهذا انحراف عن المقاصد الشرعية التي جعلت الولاء للمؤمنين، لا الألوان والشعارات.
ومن صور هذا التعصب المذموم:
- السخرية والاستهزاء بجماهير الفريق الآخر، والتنابز بالألقاب.
- السب والشتم، وإطلاق الألفاظ الجارحة عبر وسائل التواصل.
- نشر الشائعات والكذب والتزوير دفاعًا عن فريق أو إسقاطًا للمنافس.
- إثارة الأحقاد والخصومات التي قد تمتد إلى الأسرة والأصدقاء.
- الشجارِ والعراكِ الذي يدور بين مشجعي الفريقين بعد المباريات.
شاركنا واكتب قبلت:
تحدي الـ 90 دقيقة مشاهدة بلا تعصب









