قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
تكشف هذه الآية نموذجًا بشريًا خطيرًا لا يقتصر وجوده على زمن المنافقين الأوائل، بل يتكرر في كل عصر وزمان.
إنه نموذج الإنسان الذي لا يملك وجهًا ثابتًا ولا موقفًا واضحًا، بل يغيّر ملامحه بحسب المصلحة التي يجنيها.
فإذا كان مع أهل الحق أظهر تأييده لهم، وإذا جلس مع أهل الباطل وافقهم وأثنى عليهم، لا حبًا في الحق ولا اقتناعًا بالباطل، وإنما حرصًا على مكاسب شخصية أو خوفًا على مصالحه، فهو مع الجميع بلسانه، ومع مصلحته بقلبه.
وهذا التلون لا يظهر في أمور الدين فقط، بل نجده في شؤون الحياة كلها؛ في العمل، والعلاقات، والمجالس، والإعلام، وحتى في المواقف العامة.
فقد يمدح الشخص أمامك، ثم يذمه إذا غاب عنك، ويوافق كل فريق بما يحب سماعه، وكأن له وجوهًا متعددة يرتديها بحسب المصلحة.
وقد كشف الله الدافع الحقيقي وراء هذا السلوك بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ فهم ينتظرون أين تميل الكفة ليقفوا معها، فإن رأوا نجاحًا أو قوة ﴿قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ﴾، وإن رأوا مصلحة عند الطرف الآخر انتقلوا إليه بلا خجل أو تردد، و﴿قَالُوۤا۟ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَیۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ﴾.
فبعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السيئ براعة، وهو في حقيقته ضعف ومهانة، فالقوي ليس لئيمًا ولا خبيثًا، ولا خادعًا ولا متآمرًا ولا غمازًا في الخفاء لمازًا.
ولذلك وصف النبي ﷺ هذا الصنف بأشد الأوصاف فقال: (وتَجِدونَ شَرَّ النَّاسِ ذا الوجهَينِ؛ الذي يَأتي هؤلاء بوجهٍ، ويَأتي هؤلاء بوجهٍ).
إن صاحب المبدأ قد يخسر مصلحة، لكنه يحفظ كرامته وصدقه، أما صاحب الوجوه المستعارة فقد يربح شيئًا من الدنيا، لكنه يخسر احترام الناس وثقة القلوب، قبل أن يلقى جزاءه عند الله.
وقد حذر النبي ﷺ من عاقبته فقال: (مَن كان له وجهانِ في الدنيا، كان له يومَ القيامةِ لسانانِ من نارٍ)؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فمن تعددت ألسنته في الدنيا بالكذب والخداع، عوقب بما يناسب جرمه يوم القيامة.
ومن الفوائد:
الحذر من النفاق وصوره الخفية.
ذم التلون وتقلب المواقف تبعًا للمصالح.
أن الثبات على الحق من صفات أهل الإيمان.
أن ذا الوجهين من شر الناس عند الله.
أن الصدق في المواقف أعظم من المكاسب المؤقتة.
أخبرنا في التعليقات:
كيف تتعامل مع المتلونين بحياتك؟









