الإمام عاصم .. من حلقات الكوفة إلى مصاحف الدنيا

الإمام عاصم .. من حلقات الكوفة إلى مصاحف الدنيا
2025/08/29

الإمام عَاصِمُ بنُ أَبِي النَّجُوْدِ الكوفي، أحدُ أعظم أئمة القراءة الذين حفظ الله بهم كتابه المبين، وما رواية حفص -الأكثرُ انتشارًا في العالم الإسلامي حاليا- إلا حسنة من حسنات هذا العالِم المتقن المجيد؛ فحريٌّ بنا أن نتعرَّف على سيرته الملهمة؛ نتلمس فيها القدوة الحسنة لأهل القرآن. 

اسمه ونسبه:

هو: عَاصِمُ بنُ بَهْدَلَةَ أَبِي النَّجُوْدِ، الكُوْفِيُّ، الأَسَدِيُّ بالولاء.

كنيته: أَبُو بَكْرٍ . 

وُلد فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه.

وعاصمٌ مَعْدُوْدٌ فِي صِغَارِ التَّابِعِيْنَ؛ فقد رَوَى عَنِ: الحَارِثِ بنِ حَسَّانٍ البَكْرِيِّ، وَرِفَاعَةَ بنِ يَثْرِبِيٍّ التَّمِيْمِيِّ - أَوِ التَّيْمِيِّ - وَلَهمَا صُحْبَةٌ.

شيوخه في القراءة:

قرأ عاصمٌ القرآن على كثيرين؛ أبرزهم:

1- أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ (ت74هـ).

2- أبو مريم زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الأَسَدِيُّ (ت82هـ).

3- أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ (ت96هـ أو نحوها).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ: قَالَ لي عَاصِمٌ:

مَا أَقْرَأَنِي أَحَدٌ حَرفاً إِلَاّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ عَلَى عَلِيٍّ [ابن أبي طالب] رضي الله عنه، وَكُنْتُ أَرجِعُ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَعْرِضُ عَلَى زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، وَكَانَ زِرٌّ قَدْ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه، فَقُلْتُ لعَاصِمٍ: لَقَدِ اسْتَوثَقتَ لنفسِك؛ أخذتَ القرآن من وجهيْنِ، قال: أجل. [جمال القراء (ص556)]

تلامذته وراوياه:

روى القراءةَ عنه خَلْقٌ كثيرٌ؛ مِن أبرزهم:

1- أبو بكر شُعبة بن عيَّاش (ت193هـ)

2- أبو عمر حَفْصُ بنُ سليمان بن المغيرة "ت180هـ".

3- سُليمان بن مهران الأعمش (ت147هـ).

ورَوَي عنه أحرُفا من القرآن: أبو عمرو بن العلاء البصري، وحمزةُ بن حبيب الزيات، والخليلُ بن أحمد الفراهيدي، وسفيانُ الثوري، وسفيانُ بن عيينة، وحمَّاد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، وغيرُهم.

والراويان عنه هما: شعبة وحفص.

سند الإمام عاصم الكوفي

مكانته ومنزلته العلمية:

عاصم بن أبي النَّجود شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة، إمام كبير من أئمة القراءات والنحو. كان أفصح الناس في القراءة، وأوثقهم في الرواية، وقد جمع بين الفصاحة والإتقان، والتحرير والتجويد.

وصفه الذهبيُّ في السير بأنه "الإِمَامُ الكَبِيْرُ، مُقْرِئُ العَصْرِ .. وَتَصَدَّرَ لِلإِقْرَاءِ مُدَّةً بِالكُوْفَةِ .. وَانتهتْ إِلَيْهِ رِئَاسَةُ الإِقْرَاءِ بَعْدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ شَيْخِه".

قَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ: لَمَّا هَلَكَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، جَلَسَ عَاصِمٌ يُقرِئُ النَّاسَ، وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صَوْتاً بِالقُرْآنِ حَتَّى كَأَنَّ فِي حُنْجرتِه جَلَاجلَ.

وعنه أيضًا، قال: لا أحصي ما سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعيَّ (التابعيَّ المقرئ، ت 132 هـ)، يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَقرَأَ للقرآن مِنْ عَاصِمٍ بن أبي النَّجود. [السبعة في القراءات (ص: 70)]

وقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ، فَقَالَ:

رَجُلٌ صَالِحٌ، خَيِّرٌ، ثِقَةٌ.

قُلْتُ: أَيُّ القِرَاءاتِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟

قَالَ: قِرَاءةُ أَهْلِ المَدِيْنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقِرَاءةُ عَاصِمٍ. [سير أعلام النبلاء (5/ 257)].

وقال أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ، قَالَ لِي عَاصِمٌ: "مَرِضتُ سَنَتَيْنِ، فَلَمَّا قُمْتُ، قَرَأْتُ القُرْآنَ، فَمَا أَخطَأْتٌ حَرفاً"

وقَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: عَاصِمٌ صَاحِبُ سُنَّةٍ وَقِرَاءةٍ، كَانَ رَأْساً فِي القُرْآنِ، قَدِمَ البَصْرَةَ.

وكان التابعون يعظمون عاصمًا ويعرفون له مكانته، ومما يُروَى في ذلك أنه كان إذا قدِم من سفر قبَّل أبو وائل (شقيق بن سلمة) يده. [جمال القراء (2 /465 )]

وكان عاصمٌ رحمه الله صاحبَ عبادة؛ إِذَا صَلَّى، يَنتَصِبُ كَأَنَّهُ عُودٌ، وَكَانَ يَكُوْنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَسْجِدِ إِلَى العَصْرِ، وَكَانَ عَابِداً، خَيِّراً، يُصَلِّي أَبَداً، رُبَّمَا أَتَى حَاجَةً، فَإِذَا رَأَى مَسْجِداً، قَالَ: مِلْ بِنَا، فَإِنَّ حَاجَتَنَا لَا تَفُوتُ. ثُمَّ يَدْخُلُ، فَيُصَلِّي. [السير (5/ 259)]

وفاته:
تُوفِّيَ الإمام عاصم آخر سنة (129هـ) على الصحيح -كما قال ابنُ الجزري-، وقيل: (128هـ)، وقيل غير ذلك، واختُلف في مكان وفاته، والأكثر أنه توفي في الكوفة، وقيل: توفي بالسماوة من الشام ودُفن بها.

قال أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ: دخلتُ على ‌عاصم، وقد احتُضر، فجعل يردد هذه الآية يحققها كأنه في الصلاة: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) [الأنعام: 62] [النشر في القراءات العشر (1/ 155)]

فرحِم الله الإمامَ عاصمَ بنَ أبي النَّجُود، وجزاه عن القرآن وأهلِه خيرَ الجزاء.

🌿إنها سيرة عطرة تستحق أن تُعرف.. شاركها مع مَن تحب لتكون شريكًا في نشر العلم📖

بحث

الأكثر تداولاً

ellipse
loading

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة