أخبرنا ﷺ بأن حالة الضجر من الحياة ستتفاقم في آخر الزمان، فقال: (لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بقَبرِ الرَّجُلِ فيَقولُ: يا لَيتَني مَكانَه). وهو تصوير لعمق أزمة روحية تتسع دائرتها، وهو ما تعكسه معدلات الانتحار.
وقد جاءت الشريعة رافضة لهذا المنحى، مبينة عِظَمَ النفس وخطورة انتهاك حقها في الحياة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا﴾.
أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ومن رحمته أن صان نفوسكم، ونهاكم عن قتلها.
وقال ﷺ: (مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ [وقع من فوقه متعمدًا] فقَتَلَ نَفسَه فهو في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن تَحَسَّى [شرب] سُمًّا فقَتَلَ نَفسَه، فسُمُّه في يَدِه يَتَحَسَّاه في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا، ومَن قَتَلَ نَفسَه بحَديدةٍ فحَديدَتُه في يَدِه يَجَأُ بها في بَطنِه [يطعن] في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا).
وقوله: (خالِدًا مُخَلَّدًا فيها أبَدًا) محمول على من فعل ذلك مستحلاً له مع علمه بالتحريم، أو على أنه يعني طول المدة والإقامة التي يخلد فيها قاتل نفسه إن أنفذ عليه الوعيد، ولا يعني خلود الدوام؛ إذ قتل النفس -دون استحلال لذلك- هو ذنب وكبيرة من الكبائر.
إن الروح أمانة، ليست ملكًا لنا نتصرف فيها كيف نشاء، بل هي وديعة أودعها الله فينا، قال ﷺ: (كان فيمن قبلَكم رجلٌ به جُرْحٌ فجزِعَ [لم يصبر على إصابتِه] فأخذ سِكِّينًا فحزَّ بها يدَهُ، فما رقَأَ الدمُ حتى مات، فقال اللهُ: بادََرَني عبدِي بنفْسِهِ، فحرَّمْتُ عليه الجنةَ).
وقيل: المراد أن الجنة حرمت عليه في وقت ما كالوقت الذي يدخل فيه السابقون أو الوقت الذي يعذب فيه الموحدون في النار ثم يخرجون.
ويبين الحديث: فضيلة الصبر على البلاء، وترك التضجر من الآلام؛ وهو من أعظم الأسباب المفضية إلى الانتحار.
ويجب أن ندرك أن الدنيا دار ابتلاء لا دار استقرار؛ فالألم والشدة من طبيعتها، والصبر عليهما هو من جوهر العبادة.
وعند الضيق، يوجهنا المنهج النبوي إلى البديل الصحيح؛ فقد نهى الإسلام حتى عن مجرد تمني الموت، وأرشد إلى دعاء عظيم فقال: (لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوتَ مِن ضُرٍّ أصابَه، فإن كان لا بُدَّ فاعِلًا فليَقُلِ: اللهُمَّ أحيِني ما كانَتِ الحَياةُ خَيرًا لي، وتَوفَّني إذا كانَتِ الوفاةُ خَيرًا لي).
قل: يارب









