ليست هذه الآية تقريرًا عقديًّا جافًّا، بل خطاب رحيم جاء جوابًا على سؤال إنسانيّ صادق
سؤال يتكرر في كل زمان: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فجاء الجواب الإلهي مباشرًا بلا واسطة، وبلا أمرٍ للنبي أن يقول، وكأن الله تولّى الرد بنفسه: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
هذا القرب ليس قرب مكان، وإنما قرب علم وسمع وإحاطة.
قريبٌ يسمع الدعاء قبل أن يُنطق، ويعلم الهمّ قبل أن يُبَاح به. لذلك قال المفسرون: الله قريب بالإجابة، وقريب بالعلم، وقريب من أوليائه بالإفضال والإنعام. هو قربٌ دائم، لا يختص بساعة ولا يُقيَّد بحال.
ثم تأتي الجملة التالية لتكشف حقيقة العلاقة: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
ولم يقل: أُعطي، بل قال: أُجيب. فالدعاء في جوهره عبادة، لا مجرد طلب قضاء حاجة.
هو إعلان فقر، وانكسار بين يدي الغني، ولذلك لا يضيع الدعاء أبدًا؛ إما أن يُعطى العبد ما سأل، أو يُصرف عنه من السوء مثله، أو يُدّخر له أعظم في الآخرة.
غير أن الآية تلفت النظر إلى شرط خفيّ: ﴿إِذَا دَعَانِ﴾، أي إذا كان الدعاء دعاء قلبٍ حاضر، لا حركة لسانٍ غافل.
ولهذا جاء النهي عن الاستعجال، لأن الاستعجال سوء ظن، وترك الدعاء قنوط، وكلاهما يقطع طريق الرشد.
ثم تكتمل المعادلة بقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾. فالقرب ليس وعدًا مجانيًّا بلا أثر، بل علاقة متبادلة: قربٌ من الله، يقابله إقبال من العبد، وطاعة تفتح أبواب الهداية.
ختامًا:
إن طال الدعاء، فليس ذلك غيابًا، بل تربية. وليس الصمت حرمانًا، بل تدبير. فالقريب لا يُهمِل، وإنما يؤخّر ليُبقي القلب واقفًا على بابه… حتى إذا جاء العطاء، جاء ومعه الرشد.
اللهم إجعلنا ممن دعاك فأجبته، قولوا آمين









