كيف يكون الغش سببًا في فساد المجتمع ؟

كيف يكون الغش سببًا في فساد المجتمع ؟
2026/04/12

تقوم المجتمعات السليمة على ركيزتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى: إيمان يزكّي الضمير، وعدل يحكم المعاملات.

فإذا اختلّ هذا التوازن، لم يكن الخلل اقتصاديًا فقط، بل أخلاقيًا وحضاريًا في جوهره.
ومن هنا جاء التحذير القرآني الصريح من الغش وبخس الحقوق في قوله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾؛ آية قصيرة، لكنها ترسم ميثاقًا شاملًا لعلاقة الإنسان بغيره.

يبيّن تفسير الطبري أن البخس هو إنقاص حقوق الناس في الكيل والوزن، لكنه لا يقتصر على الأداة، بل يمتد إلى السلوك والنية.
فالمشكلة ليست في الميزان ذاته، وإنما في نفسٍ ترضى أن تأخذ حقها كاملًا، وتُنقص غيرها بلا تردد.

ويؤكد ابن كثير هذا المعنى حين قرن النهي عن البخس بالأمر بإيفاء القسطاس المستقيم، ليقرر أن العدل في المعاملات ليس خُلُقًا زائدًا، بل أصل من أصول التقوى.

فالتطفيف صورة من صور الظلم، وإذا استُبيح الظلم في القليل، تجرّأ على الكثير.

ولذلك جاء التعبير القرآني عامًا:
﴿أشياءهم﴾، كما أوضح البغوي والقرطبي، ليشمل كلما يملكه الإنسان من مال، أو جهد، أو حق معنوي. فكل انتقاص لحق ثابت هو بخس، مهما تغيّرت وسيلته أو تلطف اسمه.
اللافت أن الآية لم تكتفِ بالنهي عن بخس الحقوق، بل ربطته مباشرة بالعيث في الأرض فسادًا، وكأن القرآن يضع قاعدة واضحة:
الظلم الفردي إذا تكرّر، تحوّل إلى فساد عام.


فالمجتمع الذي يشيع فيه الغش تفقد أسواقه الثقة، وتضعف علاقاته، ويصبح الظلم فيه سلوكًا مألوفًا لا جريمة مستنكَرة. ولهذا كان الغش سببًا في هلاك الأمم السابقة، لأنه لم يكن خطأً عابرًا، بل انحرافًا أخلاقيًا شاملًا.

خاتمة:
الآية لا تسأل الإنسان: كم ربحت؟
بل تسأله: بأي ميزان ربحت؟

فالقسطاس المستقيم ليس أداة في السوق فقط، بل مِعيار في القلب، تُوزن به النيات قبل السلع، وتُراجع به المواقف قبل الأرباح.
هل ترى أن الغش في زماننا صار أوضح وأسهل كشفًا، أم أنه أصبح أخفى ويتسلل إلينا بطرق جديدة دون أن نشعر شاركنا فى التعليقات.
 

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة