ليست آية الصيام مجرد تشريع تعبدي يُلزم المؤمنين بالإمساك عن الطعام والشراب، بل هي بيان مقصد عظيم يتجاوز ظاهر الفعل إلى باطن الأثر.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
فالغاية المعلنة ليست المشقة ولا مجرد الثواب، وإنما التقوى.
ومن هنا فإن فهم أحكام الصيام ينبغي أن يكون فهمًا مقاصديًا يربط بين التشريع وأثره في تزكية النفس وبناء الوعي الإيماني.
يذكر الطبري أن معنى ﴿كُتب عليكم﴾ أي فُرض وأُلزم، وأن الصيام في اللغة هو الإمساك والكف.
وهذا يبين أن الصيام ليس تركًا عابرًا، بل انضباط مقصود ينتقل فيه المكلَّف من الإباحة إلى الامتثال.
فالعبد يترك المباح طاعة، ومن تعلّم ضبط المباح كان أقدر على اجتناب المحرم، وهنا تتجلى التقوى بوصفها قدرة على كبح الشهوة حين تدعو.
أما قوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ فيدل على أن الصيام عبادة ممتدة في تاريخ الأمم، وأن مقصد التقوى مقصد رباني متكرر لا يختص بأمة دون أخرى.
ويؤكد ابن كثير أن في الصيام تزكية للنفس وتضييقًا لمسالك الشيطان، لأن تقليل الشهوات يضعف دواعي المعصية، فيصفو القلب ويستقيم السلوك.
فالصيام لا يدرّب الجسد على الاحتمال فحسب، بل يربي الروح على القيادة.
كما يشير القرطبي إلى أن الصوم سر بين العبد وربه؛ فالصائم قادر على أن يفطر خفية، لكنه يمتنع لأنه يعلم أن الله يراه، فتتحول التقوى إلى رقابة داخلية راسخة.
ثم تأتي الرخصة في المرض والسفر لتؤكد أن التقوى ليست تشددًا، بل موافقة لمراد الله؛ فكما أن الصوم طاعة، فإن الفطر عند العذر طاعة كذلك. وهكذا يصبح الصيام مدرسة لبناء الضمير، وصناعة إنسان يختار الطاعة وعيًا ومحبة.
وختامًا:
اجعل القرآن رفيقك في رمضان وما بعده، , واضغط هنا للإنضمام إلى قناة مصحف المدينة عبر تطبيق واتساب لتكون لك صلة يومية تعينك على طريق التقوى.









