﴿ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ﴾ مشهد كوني بليغ يَكشف لك سرّ التعاقب بين الظلمة والنور

﴿ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ﴾ مشهد كوني بليغ يَكشف لك سرّ التعاقب بين الظلمة والنور
2025/08/27

آيات الله في الكون شواهد قائمة على عظمته، ومن أظهرها تعاقب الليل والنهار بتناسق مدهش يلفت الأنظار ويهدي القلوب، وهذه الآية الكريمة من سورة يس تكشف جانبًا من روعة الخلق ودقة النظام الكوني. قال الله تعالى: (وَءَایَةࣱ لَّهُمُ ٱلَّیۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ) [يس:37]

 

علامة دالة على قدرة الخالق:

يوجه الله تعالى خطابه لخلقه لتدبر ما في الكون من آيات فيقول: ﴿وَءَایَةࣱ لَّهُمُ﴾. أي ومن الدلالة على قدرته تعالى العظيمة خلق الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا. والمعنى أن ذلك علامة دالة على توحيد الله وقدرته، ووجوب إلهيته.

 

ظاهرة كونية مدهشة:

قال الله تعالى: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أي: ننزع عنه النهار. ومعنى ﴿منه﴾ في هذا الموضع: عنه، ومثله قول الله تعالى ﴿فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أي : عنها وتركها.

والسلخ هو الكشط والنزع، فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء. فشبه زوال النهار بسلخ الجلد عن الشاة، فصار الليل بمنزلة جسم الحيوان المسلوخ منه جلده. والمعنى أنه إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أي كشط وأزيل فتظهر الظلمة، وظاهره يشعر بأن النهار طارئ على الليل.

واستدل بها من قال أن الليل قبل النهار؛ لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ. كما تدل على أن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من الحيوان بعد ذبحه.

 

حكمة بالغة في التعاقب:

ويخبرنا سبحانه وتعالى بالمشهد التالي فيقول: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾. أي: فإذا هم قد صاروا في ظلمة بمجيء الليل. وإذا تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي تدريجيًا، يتنزل الأمر من أعلى مراتب الإضاءة إلى الظلمة رويدًا رويدًا.

 

الإعجاز العلمي:
يتجلى الإعجاز العلمي في هذه الآية في ثلاثة جوانب:

الأول: هذه الآية الكريمة تحمل إشارات علمية مدهشة تشير إلى العمليات الكونية التي تتعلق بتعاقب الليل والنهار. فـ ﴿نَسۡلَخُ﴾ تشير إلى التحول التدريجي من النهار إلى الليل، وهو ما يحدث بصورة طبيعية عند غروب الشمس، وهذه العملية تتم بصورة غير مفاجئة، حيث يبدأ الضوء في التلاشي تدريجيًا حتى يحل الظلام الكامل. وهذا المفهوم ينسجم مع الحقيقة العلمية المتعلقة بدوران الأرض حول محورها، مما يؤدي إلى هذا الانتقال التدريجي بين النهار والليل.

 

الثاني: فهم ﴿نَسۡلَخُ﴾ كعملية نزع طبقة، قد يشير إلى أن الليل، مثل الجلد الذي يغطّي الجسم، هو بمثابة غطاء رقيق يغطي الأرض. ومن الناحية العلمية، فإن تبادل الضوء والظلام يحدث ضمن نطاق محدود من الغلاف الجوي تتعلق بشكل أساسي بطبقة التروبوسفير (Troposphere)، وهي الطبقة الأقرب إلى سطح الأرض، والتي تحدث فيها معظم الظواهر الجوية، بما في ذلك التغيرات في الإضاءة بين النهار والليل. هذه الطبقة هي المكان الذي يتفاعل فيه الضوء القادم من الشمس مع جزيئات الغلاف الجوي والذي يشكل طبقة رقيقة جدًا من الغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض.

 

الثالث: الآية تشير أيضًا إلى أن الظلام ليس حالة استثنائية، بل هو الحالة الطبيعية للأرض في غياب ضوء الشمس، وهذه الإشارة تنسجم مع ما نعرفه علميًا، حيث أن الليل يحدث نتيجة غياب الشمس عن جزء من الأرض، بينما يظل ذلك الجزء مغمورًا في الظلام حتى يعود الضوء تدريجيًا مع شروق الشمس.

 

وهكذا يظهر جليًا أن انتظام الليل والنهار ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل برهان ساطع على قدرة الله وحكمته. فسبحان من جعل في الكون آياتٍ تذكّر العقول وتوقظ القلوب.

....................

المصادر:

تفسير الطبري 

فتح البيان للقنوجي

تفسير ابن كثير

تفسير ابن عثيمين 

نظم الدرر للبقاعي 

التحرير والتنوير لابن عاشور

تفسير مكّي

الإعجاز العلمي في تعاقب الليل والنهار: تفسير آية (ٱلَّیۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ) موقع إعجاز القرآن والسنة

بحث

الأكثر تداولاً

مع تطبيق مصحف المدينة استمتع بتفسير شامل للآيات يساعدك على فهم القرآن الكريم بسهولة

حمل مصحف المدينة الآن

مدار للبرمجة © 2021 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة