في العشر الأواخر من رمضان يشتدّ سباق القلوب إلى الله، وتصبح لياليه ميدانًا للطاعة والرجاء. وحين يهدأ الليل ويخف ضجيج الدنيا، تبرز صلاة التهجّد كأعظم عبادة يختلي فيها العبد بربه، يناجيه في سكون الليل، طالبًا المغفرة والرحمة.
وهى سُنّة عظيمة تبدأ بعد العشاء والتراويح وتمتد إلى الفجر، وأفضلها أن تكون بعد نومٍ يسير، فيصلي المسلم ركعتين ركعتين ،كما قال النبي ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى».
وأفضل وقت للتهجّد الثلث الأخير من الليل؛ ففيه يتنزّل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». ولذلك كان الصالحون يحرصون على هذه الساعة، فهي لحظة صفاءٍ يفتح الله فيها أبواب رحمته.
وقد أمر الله نبيَّه ﷺ بهذه العبادة العظيمة فقال:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.
وبيَّن الإمام الطبري أن التهجّد هو السهر للصلاة بعد نومٍ من الليل؛ فالهجود هو النوم، والتهجّد هو اليقظة للعبادة بعده. وقد خصَّ الله نبيَّه بهذه العبادة تشريفًا له، وجعلها سببًا لبلوغه المقام المحمود يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة العظمى.
وقد مدح الله أهل قيام الليل في كتابه فقال:
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
فهم لا ينامون من الليل إلا قليلاً، يحيون ساعاته بالصلاة والذكر، حتى إذا بلغوا السَّحر ختموا ليلهم بالاستغفار والتضرع، وكأن الاستغفار هو تاج قيامهم وخاتمة عبادتهم.
ولذلك كانت صلاة الليل من أعظم القربات، فقد قال النبي ﷺ:
«أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وقال أيضًا: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله، وتكفير للسيئات». ومن قام في هذه الليالي المباركة أدرك فضلًا عظيمًا، إذ قال ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه».
وختامًا:
اعلم أن التهجّد في العشر الأواخر ليس مجرد صلاة نافلة، بل هو باب الطمأنينة ومفتاح القرب من الله؛ ففي تلك الساعات الهادئة تُسكب الدموع، وتُرفع الدعوات، وتُكتب للقلوب حياةٌ جديدة.
فلنغتنم هذه الليالي بالقيام والتهجّد والدعاء، ومن أجمل ما يُقال فيها ما علّمه النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».









