عرض علينا القرآن الكريم بعضًا من روائع الأسحار؛ ونبدأ بهذه الصورة في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ*وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ .
فهم ينامون قليلاً، ويتهجدون كثيرًا، ومع ذلك يستغفرون وكأنهم عاصون! وفي هذا من الافتقار والانكسار للعزيز الغفار ما يملأ القلب خوفًا وطمعًا.
وصورة أخرى من روائع الأسحار يعرضها لنا القرآن؛ قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.
المضاجع تدعو للرُّقادِ والرَّاحَةِ، ولكنهم هجروا الفرش؛ فيأتيهم فضل الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
يقول ابن القيم: "تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون إلى صلاةِ اللَّيلِ بقرَّةِ الأعينِ في الجنة".
ومن صور روائعِ الأسحارِ خبر أمِّ سعيد الطائية قالت: "كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، فكنت أسمعُ حنينَه عامَّةَ اللَّيل لا يهدأ، ولربما ترنَّمَ في السَّحر بشيءٍ من القرآن؛ فأرى أن جميع نعيم الدنيا جُمع في ترنمه تلك السَّاعة".
ومن مشاهد الأسحار ما يرويها لنا أبو سليمان الداراني يقول: "بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم، فإذا أنا بالحوراء قد ركضتني برجلها، فقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان، ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسًا لعين آثرت لذَّة نومٍ على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني! أترقد عيناك وأنا أُرَبَّى لكَ في الخدورِ منذ كذا وكذا؟! قال أبو سليمان: فوثبت فزعًا، وقد عرقت استحياءً من توبيخها إياي، وإنَّ حلاوةَ منطقها لفي سمعي وقلبي".
ومن روائع تلك الساعات ما قاله الهيثم بن جمَّاز عن زوجته، قال: "كانت لي امرأةٌ لا تنامُ اللَّيل، كنت لا أصبر معها على السَّهر، فكنتُ إذا نعستُ ترشُّ عليَّ الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني برجلها وتقول: أما تستحي من الله؟ إلى كم هذا الغطيط؟ فواللهِ إن كنتُ لأستحيي مما تصنعُ".
قال أبو الزناد: "كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي ﷺ، فلا أمرُّ ببيت إلا وفيه قارئ...وكنا ونحن فتيان نريد أن نخرج لحاجة فنقول: موعدكم قيام القراء".
أي قصة جعلت قلبك يشتاق للتهجد؟









